شرح توحید صدوق - القمي، القاضي سعيد - الصفحة ١٩٠ - كلام في الاحتمالات لتصحيح الأمر بين الأمرين
الّتي هي كتاب المحو و الإثبات و موطن الكائنات الفاسدات. ثمّ انّه وضع لكلّ كائن مقدارا من زمان الوجود و هو أجله كما قال عزّ من قائل لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ [١] و هو لوح النفس الكلية. و لست أظنّك أن تكون ممّن شككت في تحقّق هذه الخصال في الجواهر لأنّها ترتّبت من المرتبة النفسية متسافلة الى ما هاهنا، و كذا في الأعراض الّتي هي من صنع اللّه، لأنّها أيضا انّما تأتي من هناك كما في الأخبار: انّ «نور اللّه أحمر منه احمرّت الحمرة» [٢] الى غير ذلك من هذا القبيل؛ و أمّا الأعراض التي هي من أفعال العباد فانّها انّما صدرت من النفس الجزئية من حيث انطباعها بمرتبة الطبيعة حسب إرادتها بتحريك آلات جسمانية متكمّمة في حصّة من الزمان، فتحقّقت هذه الخصال في أفعال العباد أيضا و هي كلّها من تدبير اللّه و غلبة سلطانه. و لا يلزم من ذلك استناد فعل العبد الى اللّه لا بواسطة و لا بغير واسطة، لأنّ كليّات تلك الخصال الّتي هي من لوازم الألوهيّة و علامات الربوبيّة ممّا توجد جزئيّاتها في العبد، من حيث انّ وجود العبد انّما تألّف منها و لا يخرج عنه شيء منها، لا انّها تعلّقت بأفعال العباد، كما تتعلّق مشيتنا مثلا بفعل غيرنا من أمثالنا، كما يتوهّمه الأكثرون، لأنّ ذلك تشريك في المشيّة أو في الفعل فتلزم أن تكون هاهنا مشيتان و إرادتان- مشية اللّه و مشية العبد- أو إرادتان [٣] أو فعلان. و كلّ ذلك مستحيل في مشرب أهل التوحيد، و تعاضده الأخبار كما هو غير خاف على من تتبّع الآثار، بل ليس هاهنا الّا مشية واحدة هي للعبد حقيقة، لكنّها إحدى مظاهر مشية اللّه تعالى. و بهذا الاعتبار تسمّى «مشيّة عزم» و من ذلك يتصحّح قوله تعالى: وَ ما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ [٤] أي بعين هذه المشية. و ما ورد في القدسيات: «بمشيّتي كنت أنت الّذي
[١] . الرعد: ٣٨- ٣٩.
[٢] . التوحيد، ص ٣٢٦: «... و نور أحمر احمرّت منه الحمرة».
[٣] . إرادتان: إراديان د.
[٤] . الإنسان: ٣٠.