شرح توحید صدوق - القمي، القاضي سعيد - الصفحة ٣٦١ - كلام في أنواع المضاهاة بين العوالم
[كلام في أنواع المضاهاة بين العوالم]
الرابعة، تفصيل القول في تلك مع زيادات كثيرة الفوائد: اعلم، انّ القوى البدنية انّما هي أمثلة و أصنام للمبادي الروحانية في العوالم التي فوقها، لأنّ العوالم متطابقة متضاهية و هذا غير مختص بالقوى، بل لكلّ حقيقة من الحقائق صورة في عالم العقل و صورة في عالم النفس و صورة في عالم الحسّ و بالجملة هاهنا مضاهاتان:
إحداهما، المضاهاة التي بين عالمي النفس و البدن [١]؛
و الثانية، المضاهاة التي بين مجموع هذين المسمّى ب «الإنسان الصغير» و بين عالمي الأرواح و الأجساد و ذلك هو «الإنسان الكبير».
فمن جملة تلك المضاهاة [٢] انّ النفس في أوّل نشأتها النفسانية ناقصة ضعيفة تحتاج الى حركة استكمالية بإضافة كمال الى كمال و فضيلة بعد فضيلة حتّى تصل الى كمالها اللائق بها كالبدن، حيث يتدرّج في النموّ من نقصانه بالأغذية حتى ينتهي الى حدّ البلوغ، و كاستكمال مجموعهما و حركتهما الى اللّه من هذه النشأة الدنيّة الى الدار الباقية. و لا بدّ لكلّ مستكمل عمّا يتقوّى به و يزيد في كماله. و الشيء الناقص لا يصير كاملا إلّا بما يشابهه و يناسبه لا بما يضادّه و يعانده، و هذا هو الغذاء. و كلّ مغتذ له غذاء خاصّ حسب درجته و حظّه من الكمال؛ فالمحسوس غذاء الحسّ:
كالمبصر غذاء البصر و المذوق غذاء الذوق و المشموم غذاء الشمّ. و المسموع غذاء السمع و هكذا، فيغتذي الروحاني بالروحاني و الجسماني بالجسماني و من البيّن انّ الأغذية قبل أن تصير غذاء بالفعل بعيدة عن المشابهة فلا بدّ من استحالات و هي حركة و لكلّ حركة محرّك و ناقل، فهو في البدن يسمّى ب «الغاذية» و في النفس ب «المفكّرة» و في العالم ب «الملك» الناقل للأرواح من حالة الى حالة و إماتتها من
[١] . و البدن:- ب.
[٢] . و هي المضاهاة الثالثة.