شرح توحید صدوق - القمي، القاضي سعيد - الصفحة ٣٦٢ - كلام في أنواع المضاهاة بين العوالم
صورة الى صورة الى أن يستعدّ لجوار اللّه و رضوانه [١].
الخامسة، و من تلك المضاهاة مراتب الهضم و الاستحالات، فكما انّ مادة الغذاء إذا وردت داخل البدن تصرّفت فيها الغاذية و أحالتها بقواها و زبانيتها المسخّرة لهذا الأمر و صيّرتها صافية عن الفضلات و خلصتها عن الكدورات في أربع مراتب من الطبخ و النضج أوّلا في قدر المعدة فيتخلص من بعض ذنوبها بحرارة جهنّم المعدة و بيد زبانية القوى التي عليها من التسعة عشر و يتوب عن الخروج عن صراط الطبيعة التي هي أثر من صراط الحقيقة و عن شريعة الوحدة الطبيعية التي هي ظلّ الوحدة الإلهيّة، ثم بعد هذا التمحيص لذلك المسافر الى المرحلة الأخرى يرتفع من هذه الهاوية المظلمة الى طبقة اخرى، فيقع بيد قوى اخر من هذا القبيل، فيعملون فيه ما يؤمرون. فالهضم مرّة أخرى كذي النون في بطن الحوت- حوت الكبد- و يتخلّص مما بقي من الذنوب التي لم يغتفر منه، فتصير أخلاطا أربعة بعضها صالح للاغتذاء و بعضها غير صالح، قال تعالى:
خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَ آخَرَ سَيِّئاً [٢] و الصالح من هذه الأربعة هو الجوهر الدموي. فإذا شرع في الدّوران في سكك العروق طالبا لإنتاج المقصود و الوصول الى كعبة المعبود، يدخل في القلب في مدينة القالب عند مسجد الصدر، و يمكث قدرا من الزمان للعبادة البدنية حتى يصلح لأن يلبس كسوة الصورة الإنسانية الطبيعية التي هي خليفة اللّه في هذه الارض، كذلك حال استكمال النفس في أغذيتها النفسانية و العقلانية، فانّ النفس بقوّتها المحرّكة أحضرت صورة محسوسة، فتتصرّف فيها بقوّتها المتصرّفة و هي كالكبد للنفس، فأوّل ما تصرّفت فيها أن تنزعها [٣] عن كدورة الغواشي المادية التي كالفضلة الاولى للغذاء، و كالهاوية لأهل العذاب، فسمّي هذا الفعل من النفس ب «الإحساس» ثمّ يقع منها تصرّف آخر في
[١] . فالمضاهاة الرابعة إمّا الغذاء و إمّا المحرّك.
[٢] . التوبة: ١٠٢.
[٣] . تنزعها: نزعها د ينزعها ب.