التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٤٦ - اسلوب القصة في القرآن
اسلوب القصّة في القرآن
إنّ اسلوب القصّة في القرآن جاء متميّزا عن الاسلوب المعروف للقصّة في التراث الأدبي والإنساني، حيث يكتفي القرآن الكريم بذكر الأحداث بشكل مقتطفات وبصورة إجماليّة أحيانا تاركا التفاصيل، وأحيانا بشكل متقطّع غير موصول، واضعا يده على نقاط هي بيت القصيد من القصّة، وفي الأغلب بشكل الاستطراد في التعرّض لمفاهيم وحقائق وموضوعات عقائديّة أو أخلاقيّة أو كونيّة (سنن الطبيعة) أو شرعيّة، وغير ذلك من الخصوصيّات التي قد تثير ملاحظة كبيرة حول اسلوب القصّة في القرآن الكريم.
وبذلك تخرج عن كونها عملًا فنيّا مستقلًاّ له مميّزاته الخاصّة.
وهذا يعود إلى أنّ القرآن كتاب هداية، وإنّما استخدم الفنّ لغايته في أمر الهداية، ومن ثَمَّ فإنّه يقتصر على موضع الحاجة منه في سبيل تحقيق هدفه الخاصّ، ولا يعيره اهتماما فيما لا يعود إلى هذا الجانب بالذات.
وشيء آخر، كان اسلوب القرآن اسلوب خطاب لا اسلوب كتاب- كما نبّهنا-[١] فلا ملزم له بسرد القضايا بانتظام وانسجام والإتيان بالتفاصيل والجزئيّات، كما هو شأن الكتاب، فلا يراعي فيما يقصّ من قصص ترتيبها الزمني ولا التواصل في ذكر حادثة، بل ينتقل من حدث إلى آخر، ثمّ يأخذ بالتجوال حسب اقتضاء الكلام.
ومن ثمّ فالقرآن يجري في ذكر الحادثة على اسلوبه الخاصّ في ذكر سائر المواضيع من المزج والالتقاط وضمّ بعض الموضوعات والمفاهيم إلى بعض، لمناسبة يراها مقتضية، وبذلك يخرج عن أساليب الكتب المدوّنة، لا لشيء إلّا لأنّه كلام صيغ على اسلوب الخطاب، وفي فسحة عمّا يتقيّد به اسلوب الكتاب. فهو يمزج الحقائق الكونيّة بالمعارف العقائديّة، وبالأحكام الشرعيّة، وبالموعظة والإرشاد والتبشير والتحذير، والعواطف والمشاعر والأحاسيس بالعقل والإدراك.
كما أنّه قد يكرّر الموضوعات والمفاهيم بصيغ متنوّعة وفي سياقات مختلفة، كلًاّ
[١] - في الجزء الأوّل من التمهيد، ص ٥٠.