التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٤٨ - وجعلناها رجوما للشياطين
تنال المجرّدات الرقيقة.
وعليه، فكلّ تعبير جاء بهذا الشأن إنّما هو مجاز واستعارة وتمثيل بلاريب.
فلا تحسب من الملأ الأعلى عالَما يُشبه عالمنا الأسفل، سوى أنّه واقع في مكان فوق أجواء الفضاء، لأنّه تصوّر مادّي عن أمرٍ هو يفوق المادّة ومتجرّد عنها. وعليه، فقس كلّ ماجاء في أمثال هذه التعابير.
فلا تتصوّر من الشياطين أجساما على مثال الأناسي والطيور، ولارجمها بمثل رمي النُشّاب إليها، ولامرودها بمثل نفور الوحش، ولااسّماعها في محاولة الصعود إلى الملأ الأعلى بالسارق المتسلّق على الحيطان، ولاقذفها بمثل قذف القنابل والبندقيات، ولاالحرس الذين ملأوا السماء بالجنود المتصاكّة في القلاع. ولا رصدها بالكمين لها على غرار ميادين القتال ... إذ كلّ ذلك تشبيه وتمثيل وتقريب في التعبير لأمرٍ غير محسوس إلى الحسّ لغرض التفهيم، فهو تقريبٌ ذهني، أمّا الحقيقة فالبون شاسع والشقّة واسعة والمسافة بينهما بعيدة غاية البُعد.
قال العلّامة الطباطبائي: إنّ هذه التعابير في كلامه تعالى من قبيل الأمثال المضروبة، ليتصوّر بها الأُمور الخارجة عن محدودة الحسّ في صوَر المحسوسات للتقريب إلى الأذهان. وهو القائل عزّوجلّ: «وَ تِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَ ما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ»[١] [أي لايتعقّلها ولايعرف مغزاها إلّا مَن عرف أنّها أمثال ظاهرية ضُربت للتقريب محضا].
قال: وأمثال هذه التعابير كثير في القرآن كالحديث عن العرش والكرسي واللوح والكتاب وغيرها.
قال: وعلى هذا، فيكون المراد من السماء التي ملأتها الملائكة: عالما ملكوتيّا هو أعلى مرتبة من العالم المشهود، على مثال اعتلاء السماء الدنيا من الأرض. والمراد من اقتراب الشياطين إليها واستراق السمع والقذف بالشُهب: اقترابهم من عالم الملائكة لغرض الاطّلاع على أسرار الملكوت، وثَمَّ طردهم بما لايطيقون تحمّله من قذائف النور.
[١] - العنكبوت ٤٣: ٢٩.