التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٧١ - الأسباب الموهمة للاختلاف
المتناثر آيه طول سنين. وربّما يختلف النظر لو كان صادرا من إنسان، وهو آخذ في التكامل طول هذه المدّة، فطبيعي أن يقع فيه اختلاف، لكن عدم الاختلاف دليلٌ قاطع على أنّه من عليمٍ خبير، هو محيط بعلمه ولا يعزب عن علمه شيء، كما لا يتجدّد له رأي أو يبدو له نظر غير رأيه القديم.
وللعلّامة السيّد هبهالدين الشهرستاني هنا كلامٌ غريب، قال: إنّ جماعة من المفسّرين قد التبس عليهم أمر المانع بالسبب، فعدّوا سلامة القرآن من التنافي والتنافر، من وجوه إعجازه، في حين أنّ وجود التنافي والتنافر من موانع الإعجاز، وليس انعدامهما والسلامة منهما من أسباب الإعجاز.[١]
ولعلّه رحمه اللّه عدّ السلامة من الاختلاف أمرا عدميا، فجعل التنافي والتنافر، وهما أمران وجوديّان، من المانع. في حين أنّ السلامة هنا بمعنى الائتلاف وحسن الوفاق والمؤكّد للانسجام بين آياته وتعابيره في كافّة السوَر مكيّتها ومدنيّتها بوئامٍ وائتلام.
الأسباب الموهمة للاختلاف
ذكر الإمام بدرالدين الزركشي للاختلاف أسبابا:
الأوّل: وقوع المخبر به على أحوال مختلفة وتطويرات شتّى، كقوله تعالى في خلق آدم مرّةً: «خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ».[٢] واخرى: «مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ».[٣] وثالثة: «مِنْ طِينٍ لازِبٍ».[٤] ورابعة: «مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ»![٥]
وهذه الألفاظ مختلفة ومعانيها في أحوال مختلفة، لأنّ الصلصال غير الحمأ، والحمأ غير التراب، إلّا أنّمرجعها كلّها إلىجوهر وهو التراب، ومن التراب تدرّجت هذهالأحوال.
ومنه قوله تعالى: «فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ».[٦] وفي موضع: «تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ».[٧] والجانّ
[١] - المعجزة الخالدة للشهرستاني، ص ٤٢.
[٢] - آل عمران ٥٩: ٣.
[٣] - الحِجر ٢٦: ١٥.
[٤] - الصافّات ١١: ٣٧.
[٥] - الرحمان ١٤: ٥٥.
[٦] - الشعراء ٣٢: ٢٦.
[٧] - القصص ٣١: ٢٨.