التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٢٦ - التحضر البشري في عهد ذي القرنين
حسبما استقرّ عليه الرأي أخيرا- وينطبق على ذي القرنين الذي جاء وصفه في القرآن وفي العهد القديم، باعتبار أنّ لتاجه قرنين، أحدهما إلى الأمام والآخر إلى الخلف).[١] هذا علاوة على الكثير من الحفريّات التي تدلّ على أنّ الخرائب هي آثار مدينة عامرة وعريقة موغلة في القدم، لم يبق منها سوى خرائب وآثار قصور وأبنية كثيرة فخمة بقيت الأجزاء الحجريّة منها. يدلّك على فخامتها تلك الدرج وهي مائة وست درجات في عرض سبعة أذرع تتصاعد إلى قاعة فسيحة عليها مائة عمود من الرخام وبعضها قائمة حتّى اليوم.
وعلى أجنحة الدرج تماثيل وتصاوير رجال منحوتة على الحجر وكان سرير الملك يحمله ٢٨ مجسّمة حجريّة، رمزا إلى ممثّلي الممالك التي سخّرها داريوش، وهو جالس على السرير ويرى من خلفه رجل يُظنّ أنّه خشيارشا. كما عثر المنقّبون في سروستان وفيروزآباد على أقواس وقباب لأبنية قديمة، يُعتَقَد أنّها من بقايا عصر كورش الكبير، كما يوجد حجر مكعّب الشكل يعرف بتخت طاووس في پاسارگاد على مقربة من مقبرة كورش كان واحدا من أعتاب معبد قديم.
أضف إلى ذلك «ترعة سويس»- قناة تصل البحر الأحمر بالمتوسط- ذلك المشروع العظيم، كان أوّل من أمر بحفرها هو الملك الفارسي داريوش الأوّل الهخامنشي. وذلك بعد أن استولى على مصر وبلاد أفريقيّة مجاورة. وقد عثر في حفريّات هناك على ضفاف الترعة كتيبة فيها دلالة واضحة على السيرة الحسنة التي كان يراعيها ملوك فارس مع أبناء البلاد التيكانوا يمتلكونها آنذاك. الأمر الذي يدلّ على حضارة راقية كانت تسود إمبراطوريّة فارس.[٢]
والأمثلة لا حصر لها في هذا المبحث من موضوعنا، وكلّها تجيب على السؤال المطروح: هل كانت فارس على درجة من التحضّر والتقدّم بما يوفّر الخبرة الهندسيّة لتشييد السدود والأعمال العمرانية؟
[١] - ولعلّه صنع بأمره، تيمّنا بما فاتحه دانيال من الرؤيا التي كان قد رآها وهو في أسر البابليين. لغت نامه دهخدا، حرف الذال، ص ١١٥٦٩، ذوالقرنين الثاني.
[٢] - راجع: تاريخ إيران، ص ١٢٤- ١٣٢.