التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٦٩ - القصة في القرآن حقيقة واقعة
الملائكة إلى الكهنة؟
وتاسعها: لِمَ لَمْ يمنعوا ابتداءً من الصعود إلى السماء حتّى لايحتاج في دفعهم إلى قذف الشهب؟[١]
لكن لو فطن الرازي من أوّل الأمر إلى أنّ القرآن إنّما يحارب هذه العقيدة ويحاول هدمها باسلوبه الخاصّ، القائم على فكرة التدرّج، وأنّ هذا التدرّج يشبه تماما التدرّج في التشريع في مسألة محاربة الخمر وغيرها وأنّ النسخ في التشريع إنّما يعلّل بهذه الفكرة. لو فطن الرازي إلى كلّ هذا لما أتعب نفسه وأتعب غيره في هذه الوقفات الطويلة، ولقال بأنّ القرآن إنّما يأخذ الناس بتصوّراتهم، وأنّه في هذا الموقف قد سلّم بهذه العقيدة، لا لأنّها حقّ وصدق، وإنّما لأنّه يريد أن يهدمها تدريجيّا، فيسلّم بها أوّلًا ثمّ يأخذ في هدمها مستعينا بالزمن.
فقد اتّضح أنّ القرآن كان يأخذ الناس بتصوّراتهم ويأخذهم بالعرف والعادة وأنّه كان يفعل هنا ما كان يفعله في امور التشريع من أخذ الناس بعاداتهم ومن تغيير هذه العادات تدريجيّا، الأمر الذي من أجله كان النسخ في التشريع.
فقد وضح أنّ القرآن قد قصّ في القصص التي كانت موطن الاختبار لمعرفة نبوّة النبي صلى الله عليه و آله وصدق رسالته ما يعرفه أهل الكتاب عن التاريخ، لا ما هو الحق والواقع من التاريخ، وأنّه من هنا لايجوز الاعتراض على النبي صلى الله عليه و آله وعلى القرآن الكريم بأنّ هذه الأقاصيص أخطاء من أخطاء التاريخ!
وبعد فنلفت ذهن القارئ إلى أنّه إذا وضح لديه الوضوح الكافي أنّ القصّة القرآنيّة قد قصد منها إلى التاريخ، فإنّه يتعيّن عليه أن يؤمن بما جاء فيها على أنّه التاريخ، وذلك كتقرير القرآن لمسألة مولد عيسى عليه السلام وتقريره لمسألة إبراهيم عليه السلام وأنّه لم يكن يهوديّا ولا نصرانيّا.
[١] - نقلناها بتلخيص واختزال. راجع: التفسير الكبير، ج ٣٠، ص ٦١. وقد أجاب الرازي عنها إجابات ضعيفة ممّا يقوّي الإشكال!