التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٧٨ - حديث ابني آدم
أساسها التعاون والتكافل في الحياة، دون التباغض والتباعد، لولا أن تتداركهم الهداية الربّانيّة الأمر الذي نبّه اللّه آدم وزوجه عليه حينما أخرجهما من الجنّة ليعيشا وذرّيّتهما على وجه الأرض. «قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً. فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ».[١]
قال سيد قطب: هذه القصّة تقدّم نموذجا لطبيعة الشرّ والعدوان، ونموذجا كذلك من الطيبة والوداعة، وتقفهما وجها لوجه، كلّ منهما يتصرّف وفق طبيعته ...
واتل عليهم نبأ هذين النموذجين من نماذج البشريّة، اتله عليهم بالحقّ، فهو حقّ وصدق في روايته، وهو ينبئ عن حقّ في الفطرة البشريّة، وهو يحمل الحقّ في ضرورة الشريعة العادلة الرادعة.
إنّ ابني آدم هذين- قبل كلّ شيء- هما في موقف لايثور فيه خاطر الاعتداء في نفس طيّبة. فهما في موقف طاعة بين يدي اللّه. موقف تقديم قربان، يتقرّبان به إلى اللّه: «إِذْ قَرَّبا قُرْباناً» .. «فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما وَ لَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ». والفعل مبنيٌّ للمجهول، ليشير بناؤه هكذا إلى أنّ أمر القبول أو عدمه، موكول إلى قوّة غيبيّة، وإلى كيفيّة غيبيّة ... إيحاءً بأنّ الذي قبل قربانه لا جريرة له توجب الحفيظة عليه وتبييت قتله، فالأمر لم يكن له يد فيه، وإنّما تولّته قوّة غيبيّة بكيفيّة غيبيّته، تعلو على إدراك كليهما وعلى مشيئته ... فما هناك مبرّر ليحنق الأخ على أخيه، وليجيش خاطر القتل في نفسه.
«قالَ لَأَقْتُلَنَّكَ» وهكذا يبدو هذا القول- بهذا التأكيد المنبئ عن الإصرار- نابيا مثيرا للاستنكار، لأنّه ينبعث من غير موجب، اللهمّ إلّا ذلك الشعور الخبيث المنكر، شعور الحسد الأعمى، الذي لايعمر نفسا طيّبة.
والسياق يمضي ليزيد هذا الاعتداء نكارة وبشاعة بتصوير استجابة النموذج الآخر، ووداعته وطيبة قلبه: «قالَ إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ». هكذا في براءة تردّ الأمر إلى وضعه وأصله، وفي إيمان يدرك أسباب القبول، وفي توجيه رفيق للمعتدي أن يتّقي اللّه، وهداية
[١] - بقرة ٣٨: ٢.