التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٤١ - تفضيل البنين على البنات
نرى أنّ القرآن الكريم قد شنّع القوم على فكرتهم هذه الجاهلة ووبّخهم في الفرق بين البنين والبنات أشدّ تشنيع وتوبيخ.
ولكن مع ذلك قد نجد في القرآن مواضع فيها بعض المرافقة مع القوم؟!
فقد كانت العرب ترى من الملائكة إناثا وأنّهنّ بنات اللّه سبحانه: «فَاسْتَفْتِهِمْ أَ لِرَبِّكَ الْبَناتُ وَ لَهُمُ الْبَنُونَ. أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثاً وَ هُمْ شاهِدُونَ. أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ وَ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ. أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ. ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ. أَ فَلا تَذَكَّرُونَ».[١]
فجاء التشنيع في هذه الآيات من ناحيتين: أوّلًا زعموا من الملائكة إناثا، وثانيا أنّهنّ بناته تعالى من صلبه وأنّه تعالى وَلَدَهُنّ!
وجريا مع عادة العرب في الازدراء بشأن البنات يستنكر عليهم: كيف اصطفى البنات على البنين؟! «أَ لَكُمُ الذَّكَرُ وَ لَهُ الْأُنْثى. تِلْكَ إذن قِسْمَةٌ ضِيزى»[٢] أي قسمة غير عادلة «أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَناتٍ وَ أَصْفاكُمْ بِالْبَنِينَ. وَ إِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَ هُوَ كَظِيمٌ. أَ وَ مَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ وَ هُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ».[٣]
وفي هذه الآية جاء الفارق بين الذكر والانثى ناشئا من جبلّتهما، لتكون المرأة بدافع من فطرتها الانوثية تنجذب إلى الزبارج أكثر من اهتمامها بواقعيّات الامور. ومن جانب آخر هي ذات طبيعة رقيقة لاتتقاوم تجاه الكوارث، فتنفعل فور اصطدامها بمضطلمات الحوادث، فهي بذات فطرتها ونشأتها. غير صالحة لمقابلة شدائد الحياة وعاجزة عن حلّ متشابك المعضلات. فقد جمعت بين الظرافة والضعف، على عكس الرجل الذي يملك صلابة وقوّة إرادة.
ومن ثمّ تعقّبت الآية بالاستنكار على مزعومتهم في الملائكة أنّهم إناث: «وَ جَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً أَ شَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَ يُسْئَلُونَ».[٤]
وقد عبّر القرآن عن الملائكة بصفة الذكور: «وَ إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي
[١] - الصافّات ١٤٩: ٣٧- ١٥٥.
[٢] - النجم ٢١: ٥٣ و ٢٢.
[٣] - الزخرف ١٦: ٤٣- ١٨.
[٤] - الزخرف ١٩: ٤٣.