التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٤٤ - ويعلم ما في الأرحام
الأمر الذي يتنافى مع العلم القائل بأنّ اللحم ينبت على العظام بعد خلقها، كما هو صريح القرآن أيضا «فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً»! وهذا يبدو متناقضا!!
غير أنّ هذه الشبهة نشأت من خطأ هؤلاء المفسّرين وليست واردة على القرآن.
فقد كان تعبير القرآن أنّ النطفة- وهي خليّة الذكر تمتزج ببويضة المرأة- تتحوّل إلى علقة: كرة جرثوميّة لها خلايا آكلةً وقاضمةً تعلّق بواسطتها وبواسطة حملات دقيقة بجدار الرحم، تتغذّى بدم المرأة. وهذه النقطة الصغيرة العالقة تشبه دودة العلقة التي تمتصّ الدم.
ثُمّ إنّ هذه العَلَقَة تتحوّل إلى كُتلة غُضروفية تشبه ممضوغة العلك في الفم، وتكون منشأً لتكوين العظام ثُمَّ تكوين العَضَلات بعد بضعة أيّام، لتكسو العظام أي تغطّيها وتلتحم معها.
ومعنى ذلك: أنّ العظامَ تسبقُ العَضَلاتِ، ثُمَّ تكسو العضلاتُ العظامَ، وصدق اللّه العظيم حيث يقول: «فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً».
قال سيّد قطب: وهنا يقف الإنسان مدهوشا أمام ما كشف عنه القرآن من حقيقة في تكوين الجنين لم تعرف على وجه الدقّة إلّا أخيرا بعد تقدّم علم الأجنّة التشريحي. ذلك أنّ خلايا العظام غير خلايا اللحم (العضلات). وقد ثبت أنّ خلايا العظام هي الّتي تتكوّن أوّلًا في الجنين، ولاتشاهد خليّة واحدة من خلايا اللحم إلّا بعد ظهور خلايا العظام و تمام الهيكل العظمي للجنين، وهي الحقيقة التي يسجّلها النصّ القرآني.[١]
وقد أشبعنا الكلام في ذلك عند الكلام عن إعجاز القرآن العلمي في الجزء السادس من التمهيد.
ويعلم ما في الأرحام
«إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَ يُنَزِّلُ الْغَيْثَ. وَ يَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ. وَ ما تَدْرِي نَفْسٌ ما ذا
[١] - في ظلال القرآن، ج ١٨، ص ١٦- ١٧.