التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٦١ - «حتى إذا جاء أمرنا و فار التنور»
«حَتَّى إِذا جاءَ أَمْرُنا وَ فارَ التَّنُّورُ»[١]
هذهالعبارة «وَ فارَ التَّنُّورُ» إمّا كناية عن فورة سخطه تعالى بمعنى: وثار غضب الربّ، كما يقال: فار فائره إذا اشتدّ غضبه. وبنو فلان تفور علينا قدرهم أي يشتدّ غضبهم علينا.
قال الشاعر:
|
تفور علينا قِدرُهم فَنُديمها |
ونفثؤها عنّا إذا حَمْيُها غلا[٢] |
|
وهكذا فار تنّورهم أي احتدّ سخطهم وثارت نائرتهم. فمعنى «فارَ التَّنُّورُ»: حمى غضب الربّ.
وإمّا أن نأخذ التعبير على حقيقته ليكون التنّور مفجر الماء.
غير أنّ التنّور- في أصله- اسم لما يخُبز فيه، والكلمة فارسيّة واستعملتها العرب بلاتحوير.
قال ابن دريد: التنّور فارسيٌّ معرّب. لاتعرف العرب له اسما غير هذا، فلذلك جاء في التنزيل لأنّهم خوطبوا بما يعرفون.
وقال ابن قتيبة: روي عن ابن عبّاس أنّه قال: التنّور بكلّ لسان، عربىّ وعجمي.[٣]
واستعير لمفجر الماء. والتنانير: ينابيع الماء، حيث تفور كما يفور التنّور بالنار.
قال الفيروزآبادي: التنّور: كلّ مفجر ماء، ومحفل ماء الوادي أي مجتمعه. وتنانير الوادي محافله (مواضع تجتمع فيها المياه) وهي الوهاد والمستنقعات في البراري.
ومعنى الآية على ذلك: وفارت تنانير الأرض أي فاضت ينابيعها وثارت.
وهكذا جاء التعبير في سورة القمر: «فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ. وَ فَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ. وَ حَمَلْناهُ عَلى ذاتِ أَلْواحٍ وَ دُسُرٍ».[٤]
[١] - هود ٤٠: ١١.
[٢] - أساس البلاغة للزمخشري، ج ٢، ص ٢١٧. وفثأ القدر- بالثاء المثلّثة-: إذا صبّ عليه ماءا باردا ليفتر غليانُه.
[٣] - المعرَّب لأبي منصور الجواليقي، ص ٢١٣. وراجع: جمهرة اللغة لابن دريد، ج ٣، ص ٥٠٢، و ج ٢، ص ١٤؛ وأدب الكاتب لابنقتيبة، ص ٣٨٤.
[٤] - القمر ١١: ٥٤- ١٣.