التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٩٠ - متى كان هذا الهروب واللجوء؟
من غرائب؟
أمّا «ده غوى» فيؤيّد هذا الرأي معتمدا على براهين اسمتدّها من النصوص. وفي الحقّ إنّ بعض الرحّالة قالوا: إنّهم رأوا في مدينة «أبسس» هذه كهفا كان به جثث ثلاثة عشر رجلًا قد يبست.[١]
قال ياقوت: أَبْسُس، اسم لمدينة خراب قرب «أَبُلُسْتَين» من نواحي الروم. يقال: منها أصحاب الكهف والرقيم. وقيل: هي مدينة دقيانوس. وفيها آثار عجيبة مع خرابها.[٢]
وفوق هذا فقد تضمّنت مجموعة النصوص المتعلّقة بتاريخ السلاجقة ما ينصّ على أنّ «عَرْبَسُوس» هي مدينة أصحاب الكهف والرقيم. وربما كان اكتشاف هذه الجثث الثلاث عشرة هو الأصل لهذا القول، ثمّ حرّف الناس «أبسس» فيما بعد إلى «أفسس»؟[٣]
وقيل: هي البتراء (بطرا) مدينة أثريّة في الأردن وفيها المسرح الكبير، حسبما تقدّم.
ولعلّه المراد فيما اثر عن ابنعباس، قال: الرقيم، وادٍ دون فلسطين قريب من أيلة.[٤]
متى كان هذا الهروب واللجوء؟
والأكثر على أنّه كان بعد ظهور النصرانيّة ولعلّه في بدايتها. كانت الديانة النصرانيّة دخلت في تلك الجهات، وكان الغالب عليها دين عبادة الأوثان على الطريقة الروميّة الشرقيّة قبل تنصّر قسطنطين. فكان من أهل «أَبْسُس» نفر من صالحي النصارى يقاومون عبادة الأصنام، وكانوا في زمن الأمبراطور «دقيانوس» الذي ملك في حدود سنة ٢٣٧ م.
وكان متعصّبا للديانة الرومانيّة وشديد البغض للنصرانيّة، ولذلك توعّدهم بالتعذيب، فاتّفقوا على أن يخرجوا من المدينة إلى جبل بينه وبين المدينة فرسخان يقال له:
«بنجلوس» أو «أنخيلوس».
[١] - ليس في ذلك دليل، لأنّ العثور على جثث متيبّسة في الكهوف، كان أمرا شائعا ذلك العهد. ووجد من ذلك الكثير وليس هذا وحده.
[٢] - معجم البلدان، ج ١، ص ٧٣.
[٣] - دائرة المعارف الإسلاميّة المترجمة، ج ٢، ص ٢٤٣.
[٤] - الدرّ المنثور، ج ٥، ص ٣٦٢. وأيلة: ميناء أردني في شمال العقبة على البحر الأحمر يقوم على أنقاض أيلة الرومانية.