التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٨٤ - ناقة صالح
طلبها قومه للتصديق: «قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً»[١] وهكذا طلبت ثمود تلك الخارقة فاستجاب اللّه لعبده صالح وأعطاه هذه الخارقة في صورة ناقة. ولا يذكر تفصيلًا عنها سوى كونها بيّنة من ربّهم وأنّها ناقة اللّه وفيها آية منه. قال سيد قطب:
ومن هذا الإسناد نستلهم أنّها كانت ناقة غير عاديّة، أو أنّها أخرجت لهم إخراجا غير عاديّ. ممّا يجعلها بيّنة من ربّهم وممّا يجعل نسبتها إلى اللّه ذات معنى، ويجعلها آية على صدق نبوّته. ولا نزيد على هذا شيئا ممّا لم يرد ذكره من أمرها في هذا المصدر المستيقن.
قال: ولا نخوض في وصفها كما خاض المفسّرون القدامى، لأنّه ليس لدينا سند صحيح نعتمد عليه في هذا الوصف. فنكتفي بأنّها كانت خارقة كما طلبت ثمود.[٢]
نعم جاءت الإشارة إلى جانب خارقيّتها بشأن قسمة الماء بينهم وبينها: «إِنَّا مُرْسِلُوا النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَ اصْطَبِرْ. وَ نَبِّئْهُمْ أَنَّ الْماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ».[٣] «قالَ هذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ وَ لَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ. وَ لا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ».[٤] قال الحسن: كانت ناقة من النوق، وكان وجه الإعجاز فيها أنّها كانت تشرب ماء الوادي كلّه في يوم.[٥] وهو ماء معيّن كان مخصّصا للشرب كما سنذكر.
هذا جلّ وصف تلك الناقة الخارقة حسبما جاء إجماليّا في هذا المصدر الوثيق. أمّا كيف أُخرجت الناقة، وكيف كان إرسالها تأكل في أرض اللّه بلا أن تتعرّض لسوء، وكيف كانت قسمة الماء بينها وبين القوم، والماء لديهم كثير «أَ تُتْرَكُونَ فِي ما هاهُنا آمِنِينَ. فِي جَنَّاتٍ وَ عُيُونٍ. وَ زُرُوعٍ وَ نَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ ...»؟![٦]
قال الشيخ محمد عبده- ما ملخّصه-: دلّ مجموع الآيات على أنّ آية اللّه في الناقة أن لا يتعرّض لها أحد من القوم بسوء في نفسها، ولا في أكلها ولا في شربها. وأنّ ماء ثمود قسمة بينهم وبين الناقة إذ كان الماء قليلًا، فكانوا يشربونه يوما وتشربه هي يوما. وروي
[١] - الأعراف ٧٣: ٧. وصيغة الطلب جاءت في سورة الشعراء ١٥٣: ٢٦- ١٥٤« قالوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ. ما أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا. فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ».
[٢] - راجع: في ظلال القرآن، ج ٨، ص ٢١٢ و ج ١٩، ص ٩٢.
[٣] - القمر ٢٧: ٥٤- ٢٨.
[٤] - الشعراء ١٥٦: ٢٦- ١٥٧.
[٥] - مجمع البيان، ج ٤، ص ٤٤٠.
[٦] - الشعراء ١٤٦: ٢٦- ١٤٨.