التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٢٧ - مسألة التوفي
الذي هو الظاهر المتبادر من النظم البليغ فيؤيّده ما ورد من اطّلاع الناس قبل موتهم على منازلهم في الآخرة. قال: وممّا يؤيّد هذه الحقيقة النصّ في سورة يونس على تصريح فرعون بالإيمان حين أدركه الغرق.[١]
غير أنّ سياق الآية يرجّح القول الأوّل، حيث وقع هذا التعبير عقيب ردّ مزعومة اليهود: أنّهم صلبوه وقتلوه، بل شبّه لهم الأمر وما قتلوه يقينا. فمعناه: أنّه لم يقتل ولم يمت، وأنّه حيٌّ يرزق، وما من أحدٍ من أبناء اليهود والنصارى إلّا ليؤمنَنَّ به إيمانا بنبوّته الصادقة قبل أن يموت المسيح، فالكلام هنا كلام عن موت المسيح، وأنّه مات بالصلب وقُتل أم لا، فالآية تنكر ذلك، وتنصّ على أنّه لم يمت، فكان قوله تعالى «قَبْلَ مَوْتِهِ» إشارة الى موت المسيح عليه السلام.
ولسيّدنا العلّامة الطباطبائي قدس سره هنا نظرة دقيقة في دلالة سياق الآية على عود الضمير في «قَبْلَ مَوْتِهِ» إلى المسيح عليه السلام وذلك حيث قوله تعالى- عقيب ذلك-: «وَ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً». فإنّه يدلّ على أنّه عليه السلام يشهد يوم القيامة بشأن من آمن به في حياته قبل موته. أمّا فترة التوفّي ورفعه إلى السماء فكان الشاهد عليهم هو اللّه سبحانه، كما جاءت في سورة المائدة: ١١٧.[٢]
وأمّا مسألة تخصيص العموم فليس من التخصيص حقيقة، وإنّما هو من باب التسامح والتوسعة في التعبير، فخوطب الآباء بما يفعله الأبناء، كما عوتب الأبناء بما فعله الآباء في كثير من مواضع القرآن.
[١] - تفسير المنار، ج ٦، ص ٢١- ٢٢.
[٢] - راجع: الميزان في تفسير القرآن، ج ٥، ص ١٤٢.