التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٧٨ - إن الله لا يأمر بالفحشاء
إنّ اللّه لا يأمر بالفحشاء
سؤال:
قال تعالى: «إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ».[١] كيف يلتئم مع قوله: «أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها»؟![٢]
جواب:
في الآية الثانية تقدير، أي أمرناهم بالصلاح والرشاد فعصوا وفسقوا عن أمر ربّهم.
وهذا كما يقال: أمرته فعصى، أي أمرته بما يوجب الطاعة لكنّه لم يطع وتمرّد عن امتثال الأمر وعن الطاعة.
وإليك الآية بكاملتها:
قال تعالى- بشأن الامم الذين عوقبوا بسوء أعمالهم-: «وَ إِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً».[٣]
تلك سنّة اللّه جرت في الخلق: أن لا عقوبة إلّا بعد البيان، ولا مؤاخذة إلّا بعد إتمام الحجّة. «وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا»[٤] ... ثمّ جاءت تلك الآية «وَ إِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ ...» تفريعا على هذه الآية، لتكون دليلًا على أنّ العقوبة إنّما تقع بعد البيان.
فمعنى الآية- على ذلك-: أنّ كل قرية إذا حقّ عليها العذاب فإنّما هو بسبب طغيانهم وعصيانهم بعد البيان وبعد أمرهم بما يسعدهم لكنّهم بسوء اختيارهم شقوا وعصوا، فجاءهم العذاب على أثر الطغيان والفسوق والعصيان.
وإنّما ذكر المترفون بالخصوص لأنّهم رأس الفساد والاسوة التي تقتدي بها العامّة في سوء تصرّفاتهم في الحياة.
قال الطبرسي- في أحد وجوه تفسير الآية-: إنّ معناه: وإذا أردنا أن نُهلك أهل قرية- بعد قيام الحجّة عليهم وإرسال الرسل إليهم- أمرنا مترفيها أي رؤساءها وساداتها
[١] - الأعراف ٢٨: ٧.
[٢] - الإسراء ١٦: ١٧.
[٣] - الإسراء ١٦: ١٧.
[٤] - الإسراء ١٥: ١٧.