التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٤٦ - محاولات فاشلة
هذا النظام وانسجامه مع فطرة الإنسان وتكوينه في الحياة.
محاولات فاشلة
هنا وفي يومنا الحاضر نجابه محاولاتٍ يبدو الفشل في محيّاها بعد حيادها عن منهج فهم النصّ على ما رسمته طريقة الاستنباط من كتاب اللّه. فمن قائل: إنّ النصّ الوارد في القرآن الكريم جاء بلفظ التوصية: «يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ»،[١] والإيصاء ترغيب في الأمر وليس فرضا واجبا. ولعلّ الشرائط الزمنية حينذاك كانت تستدعي هذا التفاضل المندوب إليه ولكن في وقتها، الأمر الذي لايحتّم الحكم لابصورة فرض ولا بشكل دائم على الإطلاق!
قالوا: واليوم، حيث تغيّرت الشرائط وتبّدلت الأحوال البيئية والاجتماعية العامّة فلا أرضيّة لهذا التفاضل ولا هو يتناسب مع الأوضاع الراهنة المتغايرة مع الوضع القديم. لا سيّما والأمر لم يكن فرضا بل مجرّد ندب، فلا مقتضى في الوقت الحاضر للأخذ بهذا الأمر الذي كان راجحا في ظرفه ولارجحان له اليوم!
وقائل آخر: إنّه على فرض إرادة الفريضة لكن التداوم لا مجال له بعد ملاحظة رهن أحكام الشريعة- في قسمها المتغيّر- بأوقاتها وظروفها الخاصّة حيث المصالح المقتضية حينذاك والمنتفية في الحال الحاضر.
هذا القائل يرى من أحكام الشريعة على نوعين: ثابتة ومتغيّرة. فالثابتة هي التي أصدرها صاحب الشريعة بشكل عامّ شامل أبدي حيث ابتنائها على مصالح هي ثابتة لاتتغيّر مع الأبد وفي جميع الأحوال ومختلف الأوضاع، وذلك في مثل العبادات. الأمر الذي يختلف الحال فيه في مثل المعاملات والانتظامات، المتقيّدة بمصالح هي وقتيّة وفي تحوّل على مسرح الحياة. ففي هذا تكون الاصول ثابتة أمّا الفروع والتفاصيل فهي رهن شرائط الزمان، فيجوز التصرّف فيها حسب المقتضيات المؤاتية ولكن في ضوء تلك
[١] - النساء ١١: ٤.