التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤١٩ - و هذا لسان عربي مبين»
سوى تلاوتها جريا على الألسُن لاوعيا في القلوب!![١]
لكن تعرّضنا- عند الكلام عن متشابهات القرآن-[٢] للإجابة على هذا السؤال وقلنا:
متشابه القرآن على نوعين: أصلي وطارئ. والطارئ- وهو الأكثرية الساحقة من متشابهات القرآن- ماعرض له التشابه فيما بعدُ ولم يكن متشابها في أصله وعند نزوله، وذلك من جرّاء تضارب الآراء وتخاصم أرباب الجدل والذي ثار اواره في مؤخّرة القرن الأوّل ودام حتّى القرنين الثاني والثالث، وظهرت مذاهب ومشارب متنوّعة ومتزاحمة بعضها مع بعض في تلك الفترة غير القصيرة. كان صاحب كلّ مذهب فكري يعمد إلى لفيف من آيات وروايات ليؤوّلها إلى حيث مرتآه الخاصّ ويفسّرها حسب رأيه، دعما لعقيدةٍ ارتآها أو دفعا لما سلكه خصماؤه. وفي غضون هذا التدافع والتخاصم كانت معالم الشريعة هي التي وقعت عرضة الأهواء ومتضارب الآراء، وأصبح قسمٌ كبيرٌ من بيّنات الآيات والسنن متشابهات، وقد أحاطت بها هالات من الإبهام والإجمال، فصار ماكان محكما بالأمس متشابها وماكان بيّنا، مستطرقا طرق الظلام. هذا هو الحدث الجلل الذي عاد بسيّئاته إلى حوزة الشريعة الغرّاء.
وهذا في أكثرية النصوص التي تعرّضت لصفاته تعالى الجلال والجمال وشؤون الخليقة والتدبير وماشابه.
أمّا المتشابه الأصل فهو أقلّ القليل من آيات تعرّضت لمعانٍ مستجدّة على العرب هي ذوات مفاهيم رفيعة ومتوسّعة سعة الآفاق، كانت القوالب اللفظية- الموضوعة عند العرب- تضيق عن حملها والإيفاء بها. ومن ثَمَّ جاءت في قوالب الاستعارة والتشبيه القاصرة- بطبيعة الحال- عن إفادة كمال المراد. وهذا من قصورٍ يعود إلى القابل ولايمسّ شأن الفاعل، كما لايخفى. وقد قدّمنا الكلام عن تفاصيله.
أمّا ولِمَ أُودعت هذه اللّمة من عديد آيات رفيعة المنال ضمن نصوص القرآن الكريم
[١] - هذه شبهة أوردها هاشم العربي في ملحق ترجمة كتاب الإسلام، ص ٣٧٩.
[٢] - في المجلد الثالث من التمهيد.