التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٣٨ - أقسام السحر
جاء في مذكّرات مرافق الملك جورج السادس عاهل الحكومة البريطانية في سفرته إلى الهند أيّام الاحتلال مشاهد عجيبة بهذا الشأن. يقول: وقف القطار في إحدى المحطّات لخزن الماء، فنزل الملك وجعل يتمشّى وإذا بمرتاض قابع في ناحية وجده في غاية الوساخة فنصحه أن يهتمّ بنظافة جسمه وثيابه وحاول مساعدته، وإذا بالمرتاض اغتاظ لذلك ولم يجبه بشيء. فانصرف الملك وركب القطار، وإذا بالقطار لايتحرّك. فقام المهندسون بالفحص من غير أن يجدوا فيه نقصا. وكان مع الملك ضبّاط هنود. ورأوا المرتاض القابع في زاوية، فسألوا الملك: هل قال للمرتاض شيئا يغيظه؟ فأفصح الملك بما دار بينه وبين المرتاض من غير أن يسيء إليه بكلام أو غيره. قال الضبّاط: لعلّه سخط عليك وحسبه تجاسرا عليه وهو الذي أوقف القطار. فجاء الملك واستماح من المرتاض واعتذر منه لوغاظه كلامه. فرفع المرتاض رأسه- يبدو في وجهه الرضا- وأشار إلى القطار فتحرّك لساعته.
وجاء فيها أيضا أنّهم قصدوا زيارة كبير المرتاضين وكان مقرّه في غابة ملؤها حشرات وبعوض ضارية، ولمّا أن اقتربوا من مقرّ المرتاض بكليومترات وإذا الفضاء صحو لا حشرة فيه ولا بعوضة. فتعجّبوا من ذلك وسألوا المرتاض عن السرّ، قال: إنّا لا نمنح لها بالاقتراب من حريمنا!
كلّ ذلك إن دلّ فإنّما يدلّ على قدرة نفسية كبيرة حُظي بها هؤلاء المرتاضون على أثر رياضتهم ونبذ المشتهيات، وليس من السحر في شيء.
أضف إلى ذلك أنّ النفس بذاتها ذات قدرة جبّارة بها يتمكّن الإنسان من التغلّب على الطبيعة، من غير أن يستعين بقدرةٍ خارجة عن إطار نفسه. لكن إذا عرف من نفسه هذه القدرة واستعملها بقوّة وعزيمة راسخة.
قرأت في تاريخ ثورة فرنسا الكبرى عن شخصية «ميرابو» الرجل السياسي الكبير من أركان الثورة (١٧٤٩- ١٧٩١ م) على عهد الملك لويس الخامس عشر. كان نائبا في مجلس النيابة وكان ذا منطق قويّ جبّار بحيث كان يرضخ له المؤالف والمخالف لقوّة