التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٩٨ - التقدير أزلا أم في ليلة القدر؟
كان فرعون قد أمر بقتل الذكور من مواليد بني إسرائيل من قبل، خوفا من ظهور نبيّهم موسى عليه السلام وقد خاب ظنّه. لكنّه بعد أن ظهرت نبوّته وقام في وجهه مهدّدا له- ولاسيّما بعد أن آمن السحرة- خاف ازدياد قوّة موسى وقومه والنجدة بالأبناء، فحاول كسر شوكتهم بالقتل في الأبناء واستعباد النساء، لكنّه لم يساعده الحظّ، حيث أهلكهم اللّه.
قال الطبرسي عند تفسير الآيات من سورة غافر: امروا بقتل الذكور من قوم موسى لئلّا يكثر قومه ولا يتقوّى بهم وباستبقاء نسائهم للخدمة. وهذا غير القتل الأوّل، لأنّه أمر بالقتل أوّلًا لئلّا ينشأ منهم من يزول ملكه على يده، ثُمَّ ترك ذلك لمّا أن تيقّن ولادة موسى، ولا فائدة في ذبح الأبناء. لكنّه بعد أن ظهرت نبوّة موسى وقام في وجهه مهدّدا له حاول العود إلى القتل ثانيا حتّى لاتكون فيهم نجدة وقوّة. لكنّه تعالى حال دون بلوغ أُمنيّته وأخذهم بالبلاء والعذاب.[١]
التقدير أزلًا أم في ليلة القدر؟
قد يزعم البعض أنّ في ذلك تناقضا في القرآن، فتارةً يرى من تقدير الامور مثبتا في اللوح المحفوظ «فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها».[٢] واخرى تقديرها في ليلة القدر لكلّ عام «فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ».[٣]
قلت: ليس التقدير ممّا يختلف وإنّما يختلف العلم به. فالّذي يعلم تقدير الأُمور ومجاريها أزلًا وفي اللوح المحفوظ هو اللّه وحده لاشريك له. وأمّا الذي يتنزّل به ويطلع أولياءه عليه فهو في ليلةٍ مباركةٍ هي ليلة القدر من شهر رمضان من كلّ عام. يتنزّل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كلّ أمر. يتنزّلون بتقادير الأُمور على الحجّة القائم من أوليائه ليطلعه على مجاري الامور عامه ذلك. وبذلك تواترت روايات أئمّة أهل البيت الصادقين عليهم السلام ومن ثَمَّ فإنّ علمهم الحتم بمجاريالامور محدود بعامهم، دون علم اللّه
[١] - راجع: مجمع البيان، ج ٤، ص ٤٦٥؛ و ج ٨، ص ٥٢٠.
[٢] - الحديد ٢٢: ٥٧.
[٣] - الدخان ٤: ٤٤. راجع: ملحق ترجمة كتاب مقالة الإسلام لهاشم العربي، ص ٣٨٤- ٣٨٥.