التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٣٦ - جدار«دربند»
ظلّت مستمرّة بين حين وآخر حتى جاء دور «أنوشيروان» وتسنّم الحكم، فكان ممّا شدّ العزم على إنهاء تلك العرقلة، أن قام بتشييد حائط متين يحجز دون إغارات الأقوام الهمج نهائيّا، وليريح شعبه من المزاحمين طول حقبات.[١]
وفيما بين عامي ٥٣١- ٥٧٩ م (أي بعد بناء سدّ كورش بألف عام) وجد الملك أنوشيروان أنّ السدّ القديم لم يعد يمنع المغيرين عن فارس، خصوصا وأنّ النوعيّة قد تغيّرت، فقد اضيف إلى أقوام التتر والمغول، العنصر الروماني والتركي، وكان بحر قزوين قد أخذ في الانخفاض والانحسار عن أقدام جبال قوقاز، نظرا لأنّه بحر مغلق لا يتّصل بالمحيطات، فقد تناقصت مياهه وانحسرت عن شواطئه نحو القاع، فانكشف جزء مدرّج على طول امتداد تعاريج الساحل، وظهر بذلك شريط ساحليّ ضيّق بين خطّ ماء البحر الجديد وأقدام جبال القوقاز عند «دربند» وصار الرومان البيزنطيّون والأتراك، مع البقايا من أقوام التتر الهمج يتدفّقون على شمال فارس، عبر هذا الشريط الساحلي الذي بلغ اتّساعه (٣٠ ميلًا)[٢] بين بحر قزوين وجبال قوقاز.
لذلك قام أنوشيروان ببناء جدار متين من الصخور الغلاظ، ممتدّا من سفوح جبال قوقاز حتى مياه البحر، وآخذا فيه بعض الشيء- على ما ذكره المسعودي والحموي-[٣]
[١] - تاريخ إيران، ص ٢٠٥- ٢٠٦ و ٢١٥.
[٢] - حسب تقديره الآن وقد انحسر البحر أكثر. وقد قدّره الحموي آنذاك على عهد الملك أنوشيروان بسبعة فراسخ، كلّ فرسخ ثلاثة أميال اليوم، فقد اتّسع هذا الشريط بعد ألفي عام بعرض عشرة فراسخ.
[٣] - قال الحموي: وعلى مدينة باب الأبواب دربند سور من الحجارة ممتدّ من الجبل طولًا، ومع طول السور فقد مدّت قطعة في البحر شبه أنف طولاني ليمنع من تقارب السفن من السور، وهي محكمة البناء موثّقة الأساس من بناء أنوشيروان. وهي أحد الثغور الجليلة العظيمة، لأنّها كثيرة الأعداء الذين حفّوا بها من امم شتّى وألسنة مختلفة وعدد كثير.
قال: وأقام أنوشيروان يبني الحائط بالصخر والرصاص، ثمّ قاده في البحر. وقد أحكم هذا الممتدّ في البحر بحيث لا يتهيّأ سلوكه، وقد بناه بالحجارة المنقورة المربّعة المهندمة، لا يُقِلُّ أَصْغَرَها خمسون رجلًا، وقد أحكمت بالمسامير والرصاص، والقيت في قرار البحر حتى اعتلى السور على وجه البحر بما استوى مع الذي في البرّ في عرضه وارتفاعه.
وقدّر طول الحائط من البحر إلى سفح الجبل بسبعة فراسخ. معجم البلدان، ج ١، ص ٣٠٣- ٣٠٥.
وذكر المسعودي أنّ كسرى أنوشيروان بنى السور من جوف البحر بمقدار ميل( ٤٠٠٠ ذراع) بالصخر والحديد والرصاص، ويسمّى هذا الموضع من السور في البحر: الصدّ. وهو باق إلى وقتنا هذا، وهي سنة( ٣٣٢ ه-) مانعا للمراكب في البحر إن وردت من بعض الأعداء. ثمّ مدّ السور في البرّ مابين الجبل والبحر.
وزاد: أنّه مدّ السور حتى أعالي الجبال ومنخفضاته وشعابه( أي سدّ جميع الخلل والفرج هناك) نحوا من أربعين فرسخا إلى أن ينتهي إلى قلعة« طبرستان». مروج الذهب، ج ١، ص ١٧٦ و ٢٦٤.
قلت: ولعلّه الصاروج بدل الرصاص وقد التبس عليهم، لوجود المشابهة شكليّا وبعد مرور ألف عام على بنائه. والصاروج: خليط من حجر الكلس وأملاح الكلسيوم والباريوم ومحروق القصب وغيرها، يستعمل في طلاء الجدران والأحواض والحمّامات. صنعة قديمة استخدمت في اسس البنايات الضخمة وأعمدة الجسور ولمخازن المياه، لمقاومتها تجاه تأثير الرطوبة واستحكامها عن كلّ مؤثّرات الجوّ والمحيط. وهي على مقاومة الإسمنت في هذا العصر.