التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٤٧ - النفاثات في العقد
فالنميمة تحوّل ما بين الصديقين من محبّة إلى بغضاء بالدسائس وهي وسائل خفيّة تشبه السحر الذي هو ما لطف ودقّ مأخذه. فالنّمام يأتي بكلامٍ يشبه الصدق ويؤثّر في خلدك كما يفعل الساحر المشعوذ إذا أراد أن يحلّ عُقَد المحبّة والوداد بين كلّ متحابّين. إذ يتزمزم بألفاظٍ ويعقد عُقدةً وينفث فيها، ثمّ يحلّها إيهاما للعامّة أنّ هذا حلٌّ للعقدة بين الزوجين أو غيرهما. فهو من التشبيه المحض وليس المقصود ما تفعله السَحَرة بالذات.
الأمر الذي يتناسب مع سائر آيات سورة الفلق: «وَ مِنْ شَرِّ غاسِقٍ إِذا وَقَبَ». أي ومن شرّ الليل إذا دخل وغمر كلّ شيءٍ بظلامه. والليل إذا كان على تلك الحال كان مخوفا باعثا على الرهبة والوحشة، لأنّه ستار يختفي في ظلامه ذوو الإجرام إذا قصدوك بالأذى، وعونٌ لأعدائك إذا قصدوا بك الفتك ... وهكذا قوله: «وَ مِنْ شَرِّ حاسِدٍ إِذا حَسَدَ» يعني: شرّ حاسد إذا حاول إنفاذ حسده بالسعي والجدّ في إزالة نعمة مَن يحسده. فهو يعمل الحِيَل وينصب شبائكه لإيقاع المحسود في فخّ الضرر والأذى، يعمل ذلك بأدقّ الوسائل لتنفيذ مكائده.
فكما أنّ الآيتين (السابقة واللاحقة) استعاذة باللّه من مكائد أهل الزيغ والإفساد، كذلك هذه الآية (النفّاثات في العُقد) هي مكائد يرتكبها أهل النمائم لإيقاع الأذى. شُبِّهُوا بالسّاحرات ينفثن في العُقد.
فالاستعاذة منهم جميعا إلى اللّه المستعان لإحباط مساعيهم وردّ مكائدهم في نحورهم، وهو الملجأ والمعين.
قال سيّد قطب: والنفّاثات في العُقَد: السواحر الساعيات بالأذى عن طريق خداع الحواسّ، وخداع الأعصاب، والإيحاء إلى النفوس والتأثير في المشاعر. وهُنَّ يعقدن العُقد في نحو خيطٍ أو منديلٍ وينفثن فيها كتقليد من تقاليد السحر والإيحاء. قال: والسحر لايغيّر من طبيعة الأشياء، ولا يُنشئ حقيقةً جديدةً لها. ولكنّه يخيّل للحواسّ والمشاعر بما يريده الساحر.[١]
[١] - في ظلال القرآن، المجلّد ٨، ص ٧٠٩، ج ٣٠، ص ٢٩١. وقد نقلنا تمام كلامه آنفا.