التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٦ - «قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين»
وتشيع في الجوّ رائحة الإسرائيليات قويّة.
وتعقّبه بقوله: أمّا نحن فلا ندع الخيال يلعب بنا ويشتطّ حول النصّ «احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ» ممّا يملك نُوح أن يُمسك وأن يستصحب من الأحياء، وما وراء ذلك خبط عشواء.[١]
وهذا هو الرأي الصحيح، فقد رخّص اللّه لنوح أن يحمل معه مايملكه من الحيوانات الأهلية بقدر مايحتاج إليه من زادٍ وراحلة، ولا يثقل حمله حتّى تعود الأحوال إلى أوضاعها الاولى. وأمّا سائر الأحياء الأهلية والوحش فتتشرّد لوجهها ولاتبقى في المنطقة المصابة بالحادث، كما هو مألوف. هذا ما يدلّ عليه نصّ القرآن لا أكثر.
والزوجان- في الآية- يراد به المتعدّد في تشاكل، أي من كلّ جنسٍ عددا يفي لتأمين الحاجة بها.
وهذا نظير قوله تعالى: «وَ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها (في الأرض) زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ»[٢] أي من كلّ نوعٍ في أشكالٍ وألوانٍ متقاربةٍ ومتنوّعة، كالتفّاحة في أشكالها وألوانها، وهكذا الليمون والرّمان وسائر الفواكه من كلّ نوعٍ فيها أزواج متشابهة. كما قال تعالى: «وَ الزَّيْتُونَ وَ الرُّمَّانَ مُتَشابِهاً وَ غَيْرَ مُتَشابِهٍ»[٣] أي متشاكلًا وغير متشاكل.
وجاء في وصف فواكه الجنّة: «فِيهِما مِنْ كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ»[٤] أي صنفان متشاكلان.
والمراد المتعدّد في أشكالٍ وأصناف، كما قال: «وَ أُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً»[٥] أي متشاكلًا.
ومن الواضح أنّ الثمرة- وهي الفاكهة- ليس فيها ذكر ولا انثى ولا تزاوج لقاح، وإنّما ذاك في بذور الأزهار لا في الفواكه والثمار.
على أنّها لغة دارجة: أن يراد بالمثنّى الشياع في الجنس لا الاثنان عددا. قال أبو علي: الزوجان في قوله: «مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ» يراد بهما الشياع وليس يراد بهما عدد الاثنين،
[١] - في ظلال القرآن، ج ١٢، ص ٦٢، مجلّد ٤، ص ٥٤٨.
[٢] - الرعد ٣: ١٣.
[٣] - الأنعام ١٤١: ٦.
[٤] - الرحمان ٥٢: ٥٥.
[٥] - البقرة ٢٥: ٢.