التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٣ - «لا عاصم اليوم من أمر الله»
قال الشيخ محمّد عبده: ليست الآية نصّا في أنّ المراد بالأرض هذه الكرة كلّها، فإنّ المعروف في كلام الأنبياء والأقوام وفي أخبارهم أن تذكر الأرض ويراد بها أرضهم ووطنهم، كقوله تعالى حكايةً عن خطاب فرعون لموسى وهارون: «وَ تَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِياءُ فِي الْأَرْضِ»[١] يعنى أرض مصر، وقوله: «وَ إِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْها»[٢] فالمراد بها مكّة، وقوله: «وَ قَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ»[٣] والمراد ديار فلسطين، والشواهد على ذلك كثيرة.
قال: وظواهر الآيات تدلّ بمعونة القرائن والتقاليد الموروثة عن أهل الكتاب، على أنّه لم يكن في الأرض كلّها في زمن نوح إلّا قومه- «وهو في أوّليات حياة البشر»- وأنّهم هلكوا كلّهم بالطوفان ولم يبق بعده فيها غير ذرّيته. وهذا يقتضي أن يكون الطوفان في البقعة التي كانوا فيها من الأرض سهلها وجبالها، لافي الأرض كلّها. إلّا إذا كانت اليابسة منها في ذلك الزمن صغيرة لقرب العهد بالتكوين وبوجود البشر عليها فإنّ علماء التكوين وطبقات الأرض (الجيولوجية) يقولون: إنّ الأرض كانت عند انفصالها من الشمس كرة نارية ملتهبة ثمّ صارت كرة مائية، ثمّ ظهرت فيها اليابسة بالتدريج.[٤]
وبذلك ظهر عدم دلالة الآية «وَ جَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ»[٥] على شمول الطوفان لعامّة وجه الأرض، بعد فرض محدودية نطاق النسل البشري آنذاك (في عهدٍ بعيد جدّا) وعدم الانتشار فيأقطار الأرض. ولانتسلّم بما حدّدته التوراة منالتاريخ القريب ولامستند لها.
«لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ»
شاهدٌ آخر التمسوه دليلًا على عموم الطوفان.
قال تعالى: «وَ هِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبالِ. وَ نادى نُوحٌ ابْنَهُ وَ كانَ فِي مَعْزِلٍ يا بُنَيَ
[١] - يونس ٧٨: ١٠.
[٢] - الإسراء ٧٦: ١٧.
[٣] - الإسراء ٤: ١٧.
[٤] - تفسير المنار، ج ١٢، ص ١٠٦.
[٥] - الصافّات ٧٧: ٣٧.