التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٨٨ - قال اجعلني على خزائن الأرض
الملك داريوش عند ما فتح بابل، وساعدهم على المراجعة إلى أرض فلسطين فيمن عزم على الرجوع إليها من اليهود وعلى رأسهم عزرا- وهو عجوز قد طعن في السنّ- فأعاد بناء الهيكل على حساب ملك فارس. وقام بإحياء الشريعة وكتابة الأسفار نحو سنة ٤٥٧ ق. م.[١] جمعها من صدور الرجال والمحفوظ لديهم من بقايا آثار التوراة. فكانت له منزلة رفيعة عند اليهود ممّا يقرب مرتبة نبيّ اللّه موسى عليه السلام لأنّه أحيا الشريعة الموسوية من جديد وأعاد حياتها بعد الضياع والاندراس.
وهذا هو السرّ في تلقيبه بابن اللّه تشريفا بمقامه الرفيع عندهم. كما قالوا «نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَ أَحِبَّاؤُهُ».[٢] أي مقرّبون لديه تعالى مقربة الولد من والده.
ولعلّ تلقيب المسيح بابن اللّه أيضا من هذا الباب تشريفا بموضعه عند اللّه العزيز.
وجملة القول: إنّ اليهود كانوا ومازالوا يقدّسون عُزيرا هذا. حتّى أنّ بعضهم أو جلّهم أطلق عليه لقب ابن اللّه. فهو تلقيب تكريم كما في تلقيب يعقوب بإسرائيل أي القدرة الغالبة الإلهية. وداود بمعنى المحبوب لدى اللّه. وجبرائيل أي الرجل الإلهي. وعزّئيل أي عزّته تعالى. كلّ هذه ألقاب تشريفية تكريما بمقام المتلقّبين بها.
لكن الفيلسوف اليهودي «فيلو» الاسكندري المعاصر للمسيح يقول: إنّ للّه ابنا هو كلمته التي خلق بها الأشياء. فعلى هذا لايبعُد أن يكون بعض اليهود المتقدّمين على البعثة المحمّدية- على المبعوث وآله صلوات ربّ العالمين- قد قالوا إنّ عُزيرا ابن اللّه بهذا المعنى، كما شاع عند النصارى أن تلقيب المسيح بابن اللّه هو من هذا الباب.[٣]
قال اجعلني على خزائن الأرض
قالوا: لم يعهد من تاريخ مصر القديمة أنّ ملوكها استوزروا أجانب في سلطانهم، فمن هذا الملك الذى استوزر يوسف العبراني لإدارة شؤون الاقتصاد في البلاد؟
[١] - راجع: سفر عزرا، الأصحاح السابع.
[٢] - المائدة ١٨: ٥.
[٣] - راجع: تفسير المنار، ج ١٠، ص ٣٢٢- ٣٢٨.