التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٨٩ - مواطن القيامة متفاوتة
على أفواههم لتتكلّم أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون.[١]
الأمر الّذي يتنافى وقوله تعالى فيهم بأنّهم قالوا واللّه ما كنّا مشركين[٢] فإنّه قول كذب بل ويمين كاذبة وقد أُذنوا بالتكلّم به!
وكذا مع قوله: «إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ»[٣] وقوله: «ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَ يَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً».[٤] فقد تخاصموا لديه تعالى رغم منعه سبحانه من ذلك! ثمّ كيف يلتئم ذلك مع الخَتم على الأفواه؟!
جواب:
أولًا: إنّ من يتكلّم بالصواب في الآية الاولى هم الملائكة أو المؤمنون، والكلام الصواب هنا هي الشفاعة بالحقّ على ماذكره المفسّرون. وفي الحديث عن الإمام الصادق عليه السلام وقد سئل عن هذه الآية قال: نحن واللّه المأذون لهم يوم القيامة، والقائلون صوابا: نُمجّد ربّنا ونُصلّي على نبيّنا ونَشْفع لشيعتنا.[٥]
وثانيا: مواطن القيامة متفاوتة ومواقفها متنوّعة. فقوله «لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ ...»[٦] خطاب إلى كلّ كَفّار عنيد وقرينه الشيطان الذي أغواه، حيث يقول الشيطان: «رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ وَ لكِنْ كانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ».[٧] ويحاول الكافر أن يجعل اللّوم على الّذي أغواه، فكان النهي موجّها إليهم: لاتختصموا لديَّ بل اجعلوا بأسكم بينكم فليس منعا عن التخاصم على الإطلاق.
غير أنّ هذا التخاصم والتشاجر والمنع منه لديه سبحانه إنّما هو بعد الفراغ من الحساب وفي مقام الاعتذار بعد الاعتراف بالاقتراف. أمّا الختم على الأفواه فهو عند الحساب وفي أثنائه حيث يحاولون الإنكار رأسا، فتتكلّم أيديهم وتشهد أرجلهم بما
[١] - وهو قوله تعالى: الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وَ تُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَ تَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ»، يس ٦٥: ٣٦.
[٢] - وهو قوله تعالى:« وَ يَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ. ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا وَ اللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ»، الأنعام ٢٢: ٦- ٢٣.
[٣] - ص ٦٤: ٣٨.
[٤] - العنكبوت ٢٥: ٢٩.
[٥] - رواه العيّاشي حسبما ذكره الطبرسي في مجمع البيان، ج ١٠، ص ٤٢٧.
[٦] - ق ٢٨: ٥٠.
[٧] - ق ٢٧: ٥٠.