التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٦٠ - الطلاق والعدة والعدد
ولنا أن نتساءل: هل تنازل الإسلام في تشريعاته الاولى- ولو في جوانب منها- إلى حيث مستوى ثقافة ذلك العهد وتلاؤما مع مقتضيات عصره حتّى تصبح صالحة للتغيير مع تطّور الزمان؟
الجواب: كلّا، ولاسيّما التشريعات التي جاءت نصّا في القرآن الكريم.
الإسلام جاء بثقافة جديدة شاملة ليرفض كلّ تقاليد جاهلية كانت سائدة ذلك اليوم، وألبسها ثوب الخلود «حلال محمّدٍ حلال أبدا إلى يوم القيامة وحرامه حرام أبدا إلى يوم القيامة».[١] إلّا ما كان من قبيل التدبير في الشؤون السياسية لإدارة البلاد وفق شرائط الزمان على ما أسلفنا. ومن ثمّ كانت التشريعات الإسلامية منذ البدء تنقسم إلى قسمين أساسيّين: ثابتة ومتغيّرة. أمّا الثابتة فهي التي شرّعت وفق مصالح عامّة عموما يشمل الأجيال والأزمان مدى الدهر، وهي الأصل في التشريع حسب ظاهره الأوّلي، إلّا إذا دلّت القرائن على أنّها من المتغيّرات، وهي التي شرّعت لمصالح وقتية تنوط ببقاء تلك المصالح وتذهب بزوالها. وهذا في جانب الأحكام السياسية الصادرة من اولي الأمر نجده بكثير. وقد فصّلنا الكلام في ذلك وذكرنا المعايير التي يمكن التمييز بين القسمين، والأصلَ المرجعَ عند الشكّ.[٢]
أمّا القول بالتنازل والمداهنة أو المجاملة مع القوم فهي عقيدة باطلة يرفضها أصالة التشريع الإسلامي المستند إلى وحي السماء، ويأبى اللّه ورسوله ذلك. «وَ لَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَ لا نَصِيرٍ».[٣]
*** وسؤال آخر: هل كان الطلاق والرجوع في العدّة- بذلك الشكل الفظيع- عادةً جاهلية ليكون موضع الإسلام منها تعديلها إلى وجهٍ صحيح؟
[١] - راجع: صحيحة زرارة في الكافي، ج ١، ص ٥٨، رقم ١٩.
[٢] - تجد جانبا من ذلك في رسالتنا« ولاية الفقيه» الفارسيّة ص ١٧٢- ١٧٤.
[٣] - البقرة ١٢٠: ٢. وفي آية اخرى:« وَ لَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إذن لَمِنَ الظَّالِمِينَ». البقرة ٢:
١٤٥. وفي ثالثة:« وَ إِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُظِلُّوك عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ». الأنعام ١١٦: ٦.