التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٨٢ - حديث عاد وثمود وقوم هود
وعليه فيكون معنى الآية: أنّهم كانوا يبنون أعلاما رفيعة ضخمة لغاية الصيت والفخار بحيث لم يكد يوجد لها مثيل ذلك الأوان.
وقد جاء التصريح بذلك في سورة الشعراء: «... أَ تَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ. وَ تَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ. وَ إِذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ. فَاتَّقُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُونِ وَ اتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِما تَعْلَمُونَ. أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ وَ بَنِينَ. وَ جَنَّاتٍ وَ عُيُونٍ ...».[١]
والرِّيع: المرتفع من الأرض. والظاهر أنّهم كانوا يبنون فوق القلال والمرتفعات بنايات ضخمة رفيعة بحيث تبدو للناظر من بُعد كأنّه علامة. وكان القصد هو التفاخر والتطاول بالمقدرة والمهارة، ومن ثمّ سمّاه عبثا. ولو كان لهداية المارّة ومعرفة الاتّجاه ما قال لهم:
«تَعْبَثُونَ».
ويبدو من قوله: «وَ تَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ» أنّ عادا كانت قد بلغت من الحضارة الصناعيّة مبلغا يذكر، حتّى لتتّخذ المصانع لنحت الجبال وبناء القصور وتشييد العلامات على المرتفعات، وحتّى ليجول في خاطر القوم أنّ هذه المصانع وما ينشؤونه بوساطتها من البنايات والقلاع سوف يكفي لحمايتهم في سبيل الخلود، ووقايتهم من مؤثّرات الجوّ ومن غارات الأعداء ...
كما يبدو من ظاهر التعابير الواردة في الآيات أنّ قوم عاد كانوا حُضّرا لا قبائل رُحَّل، فيما حسبه الطبري وغيره من المفسّرين. فقد كانت لهم مباني ومصانع وعيون وجنّات وأعلام، وتلك مساكنهم كانت ظاهرة حتّى أوان ظهور الإسلام: «وَ عاداً وَ ثَمُودَ وَ قَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَساكِنِهِمْ».[٢]
أمّا مساكن عاد فبالأحقاف بين اليمن وحضرموت كانت بمرأى من العرب في رحلاتهم الشتويّة إلى جنوبيّ الجزيرة. وكذا ثمود كان مقامها في الحجر المعروفة بمدائن صالح بين المدينة وتبوك، وقد قطعت الصخر وشيّدته قصورا، كما نحتت الجبال ملاجئ ومغارات وبقيت مشهودة لدى العرب في رحلاتهم الصيفيّة إلى شماليّ الجزيرة.
[١] - الشعراء ١٢٨: ٢٦- ١٣٤.
[٢] - العنكبوت ٣٨: ٢٩.