التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٠٦ - تحرير الرقيق تدريجيا
تأخّر في الواقع كثيرا جدّا عمّا أراد له الإسلام، وعمّا كان يمكن أن يحدث لو سار الإسلام في طريقه الحقّ، ولم تفسده الشهوات والانحرافات.
يجب أن نذكر أوّلًا أنّ الإسلام جاء والرّقّ نظام معترف به في جميع أنحاء العالم كما أسلفنا، وكان إبطاله في حاجة إلى زمن. ويكفي الإسلام على أيّ حال أن يكون هو الذي بدأ حركة التحرير في العالم، وأنّه في الواقع جفّف منابع الرّقّ القديمة، لولا منبع جديد ظلّ يفيض بالرّقّ من كلّ مكان، ولم يكن بوسع الإسلام يومئذٍ القضاء عليه، لأنّه لايتعلّق به وحده، وإنّما يتعلّق بأعدائه الذين ليس له عليهم سلطان، ذلك هو رقّ الحرب. فقد كان العرف السائد يومئذٍ هو استرقاق أسرى الحرب أو قتلهم. وكان هذا العرف قديما جدّا موغلًا في ظلمات التاريخ يكاد يرجع إلى الإنسان الأوّل، ولكنّه ظلّ ملازما للإنسانيّة في شتّى أطوارها.
وجاء الإسلام والناس على هذا الحال، ووقعت بينه وبين أعدائه الحروب، فكان الأسرى المسلمون يُسترقّون عند أعداء الإسلام، فتُسْلَب حرّياتهم، ويعامل الرجال منهم بالعسف والظلم الذي كان يومئذٍ يجري على الرقيق. وتنتهك أعراض النساء ... عندئذٍ لم يكن في وسع الإسلام أن يطلق سراح من يقع في يده من أسرى الأعداء. فليس من حسن السياسة أن تشجّع عدوّك عليك بإطلاق أسراه، بينما أهلك وعشيرتك وأتباع دينك يسامون الخسف والعذاب عند هؤلاء الأعداء. والمعاملة بالمثل هنا هي أعدل قانون تستطيع استخدامه، أو هي القانون الوحيد.
وممّا هو جدير بالإشارة هنا أنّ الآية الوحيدة الّتي تعرّضت لأسرى الحرب: «فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَ إِمَّا فِداءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها»،[١] لم تذكر الاسترقاق للأسرى، حتّى لايكون هذا تشريعا دائما للبشريّة، وإنّما ذكرت الفداء أو إطلاق السراح بلا مقابل، لأنّ هذا وذاك هما القانونان الدائمان، اللّذان يريد القرآن للبشريّة أن تقصر عليها معاملتها للأسرى في المستقبل القريب أو البعيد. وإنّما أخذ المسلمون بمبدء الاسترقاق، خضوعا لضرورة
[١] - محمّد ٤: ٤٧.