التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٢٠ - الأشجار والأنهار
البوادي الجرداء والصحاري القفار فحسب، وإنّما هي رغبات عامّة حتّى للمنعمين بخصوبة البلاد وخضرة الهضبات والوهاد.
الناس في كافّة بقاع الأرض يرتادون لمنتزهاتهم أماكن تظلّها أشجار وتبلّها أنهار، على ما جاء في وصف القرآن الكريم:
«مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ» سُرُر مزيّنة فاخرة.
«لا يَرَوْنَ فِيها شَمْساً وَ لا زَمْهَرِيراً» لايحسّون لدغ حرارةٍ لافحة، ولا لذع برودةٍ قارصة. مرتاحين في مهبّ نسيم ولطف نعيم.
«وَ دانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها» أشجار بسطت أغصانها المتدانية، مستديرة الأطراف شبه مظلّات مخيّمة برَوْح أظلّتها.
«وَ ذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلًا»[١] ثمار متدنّية يسهل قطوفها «وَ نَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ».[٢]
وألذّ المنتزه وأطيبه ما كان على ضفاف الأنهر ومتفجّرات العيون، على حدّ تعبير القرآن:
«عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَها تَفْجِيراً».[٣] «تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ».[٤]
نعم، إنّها رغباتٌ عامّة يبتغيها كلّ منعم ومعدم وفي كلّ بقاع الأرض، مشارق الأرض ومغاربها، العامرة منها والبائرة. وليست ممّا تهفو إليها نفوس مكدودة فحسب. وتلك قصور شامخات ومصايف زاهرات تزدحم بأصحاب النِعَم ومرفّهي الأحوال، انشئت على شواطئ البحار وضفاف الأنهار في كلّ أرجاء المعمورة. وحسبك شواهد على أنّها رغبات تهفو إليها نفوس جميع أبناء البشر في كلّ البلاد، ولدى جميع الأجيال والأُمم، وليس العرب وحدهم.
[١] - الإنسان ١٣: ٧٦ و ١٤.
[٢] - الدخان ٢٧: ٤٤.
[٣] - الإنسان ٦: ٧٦.
[٤] - يونس ٩: ١٠.