التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢١٠ - الجن في تعابير القرآن
على أنّ هذا الحدّ شرح للمراد من هذا اللفظ، وليس لهذه الحقيقة وجود في الخارج.[١]
وقد أخذت دائرة المعارف الإسلامية المترجمة إلى العربيّة هذا الاستظهار من الرازي مستندا لتنسب إلى الشيخ الرئيس إنكاره الباتّ لحقيقة الجنّ. جاء فيها: ولكنّ ابنسينا عند تعريفه لكلمة «جنّ» أكّد في غير مؤاربة أنّه ليست هناك حقيقة واقعة وراء هذه الكلمة.[٢]
غير أنّ ذاك الاستظهار من الرازي خطأ، وكانت عبارة الشيخ الرئيس تعني: أنّ هذا التعريف للجنّ ليس حدّا تامّا- حسب مصطلحهم- وإنّما هو رسم ناقص لايعدو شرح الاسم، كما في قولهم: سعدانة نبت، إذ ليس فيه ذكرٌ لذاتيّات المعرَّف (الجنس القريب والفصل القريب)، ومن ثمّ فهو تعريف ببعض اللوازم والآثار وليس بالجنس والفصل القريبين.
إذن، فنسبة إنكار حقيقة الجنّ إلى مثل الشيخ الرئيس- كبير الفلاسفة الإسلاميّين ومن ذوي العقول الراجحة المعتقدة بالإسلام والقرآن- جفاءٌ يُشبه الافتراء. ومن الغريب أنّ الإمام الرازي يُعقّب ذلك، بقوله: وأمّا جمهور أرباب الملل والمصدّقين للأنبياء فقد اعترفوا بوجود الجنّ! ياترى أليس شيخ الفلاسفة الإسلاميّين من المصدّقين للأنبياء ولاسيما نبيّ الإسلام والقرآن العظيم؟!
وبعد، فإذ لم يَعُد البحث عن حقيقة الجنّ إلى مسألة فلسفية بحتة ولا إلى فرضية علمية محضة، وإنّما هو إخبار غيبي لا مصدر له سوى وحي السماء، وقد أكّدت عليه جميع الكتب السماوية واعتقدته أصحاب الملل ممّن صدّق برسالات اللّه في الأرض، من غير خلافٍ بينهم في أصل وجوده، إذن فلا مجال للتراجع تجاه إيهام أن سوف يرفضه العلم، مع فرض أن لا متّسع للعلم في هكذا مجالات هي وراء ستار الغيوب!
وللشيخ محمّد عبده كلام تفصيلي حول الملائكة والجنّ والشياطين، له وجهٌ وجيه لمن تدبّره بإمعان، وعبثا حاول بعضهم الإنكار عليه وربّما رميه بالخروج عن مظاهر
[١] - التفسير الكبير، ج ٣٠، ص ١٤٨.
[٢] - دائرة المعارف الإسلامية، ج ٧، ص ١١٣.