التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٥٢ - كلام عن إصابة العين
كلّ أخٍ له، فيستعلم من تأثير كلّ واحدٍ عند الدخول عليه حالته الخاصّة وما يظهر على أسارير وجهه وحركات عينيه حين رؤية شقيقه من امّه بنيامين.[١] ولعلّ يعقوب استشعر من ردّ العزيز إخوته ليأتوا بأخٍ آخر لهم من أبيهم، أنّه هو يوسف. فحاول بهذه التجربة معرفة شخصية العزيز ولعلّه يوسف نفسه. الأمر الذي لا يُعلم إذا دخلوا عليه كلّهم جماعةً واحدةً. ومن ثمّ لمّا دخل عليه أخوه بنيامين آواه وأفشى نفسه لديه. الأمر الذي يدلّ على دخوله عليه لوحده. فقد تحقّق تدبير يعقوب في تفرّسه.
وهذا يدلّ على فراسة يعقوب القوية، حيث يقول عنه تعالى: «وَ إِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ»[٢] أي ذو فراسةٍ قوية.
قال إبراهيم النخعي- وهو تابعيّ كبير-: إنّ يعقوب عليه السلام كان يعلم بفراسته بأنّ العزيز هو ابنه يوسف إلّا أنّ اللّه لم يأذن له في التصريح بذلك. فلمّا بعث أبناءه إليه أوصاهم بالتفرقة عند الدخول وكان غرضه أن يصل بنيامين وحده إلى يوسف في خلوةٍ من سائر إخوته.[٣]
وقوله تعالى: «ما كانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها»[٤] يعني: إنّ هذا التدبير الذي قام به يعقوب لم يكن يغيّر من المصلحة التي رعاها اللّه بشأنه، ولكن كانت تلك بغية أملٍ في نفس يعقوب، قضاها اللّه رعايةً لجانبه العزيز على اللّه.
وممّا يبعّد إرادة إصابة العين- إضافة على ما ذكرنا- أنّ التحرّز من ذلك لا يتوقّف على الدخول من أبوابٍ متفرّقة، بل يكفي الدخول متعاقبين وفي فترات. ثمّ إنّهم كانوا يدخلون مصر في جمعٍ غفيرٍ من رفقة القافلة الحاشدة بالأحمال والأثقال، فكيف يعرف الناس أنّ هؤلاء إخوة من أبٍ واحد؟
وكذا قوله تعالى: «وَ إِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ ...».
[١] - راجع: تفسير المراغي، ج ١٣، ص ١٦.
[٢] - يوسف ٦٨: ١٢.
[٣] - راجع: التفسير الكبير، ج ١٨، ص ١٧٤؛ والدرّ المنثور، ج ٤، ص ٥٥٧.
[٤] - يوسف ٦٨: ١٢.