التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٧٧ - حديث ابني آدم
لكنّهم (العرب واليهود والنصارى) عرفوا الصدق والأمانة في القرآن، فلم يلهجوا بشيء سوى مناوئته عن طريق التواطئ على العداء الغاشم.
أفهل من المعقول أن يكون محمّدٌ قد أخذ تلك الأقاصيص من أفواه العرب وأهل الكتاب وقصّها عليهم، ثمّ تحدّاهم بها، وهؤلاء جميعا سكتوا عليها من غير إجابة صارمة؟!
فما لكم- يا أهل الفكرة الإسلاميّة الحديثة!!- كيف تحكمون؟!
ثانيا- ما وجه الاستغراب أو الإنكار لصحّة تلك الأحداث التي قصّها القرآن، والتي دعت البعض (وهم أصحاب الإلحاد) إلى فرضها مسرحيّات تمثيليّة، والبعض الآخر (وهم أهل الفكرة الإسلاميّة الحديثة- أو العقل الإسلامي الحديث) إلى فرضها التراث الشعبي الرائج، أفهل لايمكن صدق مصداقيّتها وأنّها أحداث تاريخيّة كانت قد قبعت في زوايا الجهل التاريخي، وقد كشف القرآن عن وجهها، حتّى ولو كانت غريبة- نسبيّا- في شكلها وهندامها؟! ولنذكرها بتباع:
حديث ابني آدم
أمّا حديث ابني آدم إذ قرّبا قربانا فتقبّل من أحدهما ولم يتقبّل من الآخر ... فكان ذلك سبب قتل قابيل لهابيل ... واحتار فيم يفعل بجّثة أخيه. حتّى هداه الغراب ليواريه في التراب ...[١]
فهذا حديث وصفه اللّه بأنّه نبأ حقّ: «وَ اتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ ...»! فمن الجرأة على اللّه وعلى كتابه المجيد أن يوصف بأنّه من الأساطير الشائعة في عقائد العديد من الشعوب القديمة والبدائيّة.[٢]
نعم هذا الحادث في شكله هذا الترتيب، من عمل الفنّ التصويري في القرآن. فهناك في بدء الخليقة وقع تشاحن بين بني آدم وهم في بداية مرحلة الحياة الاجتماعية، والتي
[١] - المائدة ٢٧: ٥- ٣١.
[٢] - الفن القصصي في القرآن، ص ٤١٤.