التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٩٧ - ليس في القرآن لحن
معنى آخر سوى ماكانت الجملة تفيدها ذاتا. ومن ثمّ لايجوز ذلك في المعطوف على اسم «لعلّ» أو «ليت» لزيادة معنى الترجّي أو التمنّي في مفهوم الكلام.
وقال: رُفع «الصابئون» لأنّه ردّ (أي عطف) على موضع الاسم وموضعه رفع، لأنّ «إنّ» مبتدأةٌ ولم تحدث في مفهوم الكلام معنىً كما تحدث أخواتها. ألاترى إنّك تقول «زيد قائم» ثم تقول «إنّ زيدا قائم»، ولايكون بين الكلامين فرقٌ في المعنى، سوى زيادة التأكيد. لكنّك إذا قلت «زيدٌ قائم» ثم «لعلّ زيدا قائم» أو «ليت زيدا قائم» فقد أحدثت معنى الشكّ (الترجّي) أو التمنّي في مفهوم الكلام. ومن ثمّ لايجوز الرفع في المعطوف على الاسم في غير «إنّ» من سائر أخواتها.[١]
وأمّا النصب في «المقيمين» من قوله تعالى: «لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَ الْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَ ما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَ الْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَ الْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ»[٢]- وطرفاه على الرفع- فلأنّه على القطع لأجل المدح والاختصاص، وهو شائع في اللغة.
ونظيره قوله تعالى في موضعٍ آخر: «وَ الْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا وَ الصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَ الضَّرَّاءِ وَ حِينَ الْبَأْسِ».[٣] قال سيبويه- في باب ما ينتصب في التعظيم والمدح-:
وسمعنا بعض العرب يقول: الحمدللّه ربَّ العالمين- بنصب الربّ- فسألت عنها يونس فزعم أنّها عربية.[٤] قال: ومنها «وَ الْمُقِيمِينَ» و «الصَّابِرِينَ» فقطع إلى النصب مدحا. وهذا باب شائع في العربية، وتكلّم فيه سيبويه بتفصيل.[٥]
وهكذا قال أبوعبيد. قال: هو نصب على تطاول الكلام بالنسق، أي للإيفاد بالكلام تطريةً تخرجه على تطاول النسق. فيجوز القطع إلى النصب وإلى الرفع تطريةً للكلام وإخراجه عن نسقٍ واحد. وأنشد للخِرِنْق بنت هفّان:
|
لايبعدنْ قومي الذين همُ |
سُمُّ العُداة وآفة الجُزْر |
|
[١] - تأويل مشكل القرآن، ص ٥٢.
[٢] - النساء ١٦٢: ٤.
[٣] - البقرة ١٧٧: ٢.
[٤] - كان سيبويه يحترم آراء يونس. ويأخذها حجّة. والزعم هنا بمعنى الرأي والنظر.
[٥] - راجع: كتاب سيبويه، ج ١، ص ٢٨٨- ٢٩١.