التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٩ - «و استوت على الجودي»
زد على ذلك أنّ جبل «نصر» الذي ذكر في قصّة الطوفان في الكتابات المسمارية يصحّ أيضا أن يحدّد مكانه في جبال «جورديين» بالمدلول الواسع لهذا الاسم. وقد أخذ النصارى بالرواية البابلية اليهودية القديمة، وعرفها العرب منهم عندما وصلوا بفتوحاتهم إلى إقليم «يهتان» (بلاد أرمينية). وأطلق العرب اسم الجودي- الوارد في القرآن- في غير تثبّتٍ على جبل «قردو» المعروفة بذلك منذ أقدم الزمن.
ومازالت المنطقة المحيطة بجبل الجودي إلى يومنا هذا حافلة- كالمنطقة المحيطة بجبل آراراط- بالأساطير والذكريات المتّصلة بقصّة الطوفان وحياة نوح بعد إذ غادر السفينة.[١]
*** وهكذا نرى الجغرافيّ الكبير ياقوت الحموي (ت ٦٢٦) متأثّرا بتلكمُ الأساطير المسطّرة، يقول: الجوديّ جبل مُطلٌّ على جزيرة «ابن عمر» في الجانب الشرقي من دجلة من أعمال الموصل. عليه استوت سفينة نوح عليه السلام.
ثُمَّ يذكر نصّ التوراة- مستشهدا به-: «... واستقرّت السفينة على الجودي في شهر كذا ويوم كذا ... ويقول: هذا تعريب التوراة حرفا حرفا».[٢]
ماندري ماذا كان الأصل حتى ترجمه إلى ذلك. ولعلّه لُقّن بذلك- وهو روميّ الأصل- من بعض الأرامنة المسيحيّين. وهكذا لقّن أبناء الإسلام بأوهام جاءتهم من قبل أهل الكتاب!
هذا، ومن ورائهم زرافات من المفسّرين سواء في الغابر والحاضر- مع الأسف- من غير تريّث ولاتحقيق، وكم له من نظائر في مواضع من التفسير، أشهرها وأشنعها تفسيرهم ذاالقرنين بالإسكندر الكبير!
[١] - راجع: دائرة المعارف الإسلامية المترجمة إلى العربية، ج ٧، ص ١٦١- ١٦٣ الجودي.
[٢] - معجم البلدان، ج ٢، ص ١٧٩.