التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٨٨ - تعدد زوجات النبي
فعله هذا، وعندئذٍ تتزلزل أقدامه وترتجف مفاصله وتخور قواه «إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً».[١] «وَ كانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيباً».[٢] «ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ».[٣] «وَ عِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ».[٤] «وَ وُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَ يَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَ لا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها وَ وَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَ لا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً».[٥] هذه هي الرقابة الداخلية التي يحسّ بها كلّ إنسان صاحب ضمير.
إنّ اللّه أعلم بعباده وأعرف بفطرتهم وأخبر بتكوينهم النفسي والعاطفي- وهو خلقهم- ومن ثَمَّ جعل التشريع تشريعه والقانون قانونه والنظام نظامه، ليكون له في القلوب وزنه وأثره ومخالفته ومهابته. وإنّ الناس مهما أطاعوا أمثالهم تحت تأثير البطش والإرهاب والرقابة الظاهرية التي لاتطّلع على الأفئدة فإنّهم لابدّ متفلّتون منها كلّما غافلوا الرقابة وكلّما واتتهم الحيلة.
ومن ثمّ قال تعالى: «فَإِنْ خِفْتُمْ أن لا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً ... ذلِكَ أَدْنى أن لا تَعُولُوا»[٦] أي لا تعدلوا وتميلوا على الحقّ إلى الجور. فهذه المسألة- مسألة إباحة تعدّد الزوجات بذلك التحفّظ الذي قرّره الإسلام- يحسن أن تؤخذ بيسرٍ ووضوحٍ وحسم، وأن تعرف الملابسات الحقيقية والواقعية التي تحيط بها. فالإسلام نظامٌ يراعي خلق الإنسان ونظافة المجتمع، فلايسمح بإنشاء واقع مادّي ملوّث، من شأنه انحلال الخلق وتلويث المجتمع، تحت مطارق الضرورة التي تصطدم بذلك الواقع. بل يتوخّى دائما أن يُنشئ واقعا يساعد على صيانة الخلق ونظافة المجتمع مع أيسر جهدٍ يبذله الفرد ويبذله المجتمع.
تعدّد زوجات النبيّ
هناك مسألة اخرى ناسب التعّرض لها، فيما رخّص النبيّ صلى الله عليه و آله لنفسه اختيار تعدّد الزوجات فوق الأربع، الأمر الذي لم يرخّصه لُامّته. وقد اثير حولها عجاج عارم، محاولةً
[١] - النساء ١: ٤.
[٢] - الأحزاب ٥٢: ٣٣.
[٣] - ق ١٨: ٥٠.
[٤] - ق ٤: ٥٠.
[٥] - الكهف ٤٩: ١٨.
[٦] - النساء ٣: ٤.