التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٠٥ - عبس وتولى
التناقض فيه- ما عاتب اللّه به نبيّه صلى الله عليه و آله بشأن عبوسه في وجه ابن أُمّ مكتوم المكفوف، جاء ليتعلّم منه ملحّا على مسألته، وهو لا يعلم أنّه منشغل بالكلام مع شرفاء قريش. فساء النبيّ إلحاحه ذلك فأعرض بوجهه عنه كالحا متكشّرا. الأمر الذي يتنافى وخُلُقَه العظيم الذي وصفه اللّه به في وقتٍ مبكّر!
جاء قوله تعالى: «وَ إِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ» في سورة القلم، ثانية السور النازلة بمكة.
أمّا سورة عبس فهي الرابعة والعشرون.
جاء في أسباب النزول: أنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله كان يناجي عتبة بنربيعة وأباجهل بنهشام والعبّاس بن عبدالمطّلب وابيّا واميّة ابنيخَلَف يدعوهم إلى اللّه ويرجو إسلامهم.
وفي هذه الحال جاءه عبداللّه ابن أُمّ مكتوم[١] ونادى: يا رسول اللّه، أقرئني وعلّمني ممّا علّمك اللّه، فجعل يناديه ويكرّر النداء، ولا يعلم أنّه مشتغل ومقبل على غيره، حتّى ظهرت آثار الكراهة على وجه رسول اللّه، لقطعه كلامه!
قالوا: وقال في نفسه: يقول هؤلاء الصناديد: إنّما أتباعه العميان والعبيد، فأعرض عنه وأقبل على القوم الّذين كان يكلّمهم، فنزلت الآيات. وكان رسول اللّه بعد ذلك يكرمه ويقول إذا رآه: مرحبا بمن عاتبني فيه ربّي. واستخلفه على المدينة مرّتين.[٢]
قال الشريف المرتضى: ليس في ظاهر الآية دلالة على توجّهها إلى النبيّ صلى الله عليه و آله بل هو خبر محض لم يصرّح بالمخبر عنه، وفيها ما يدلّ على أنّ المعنيّ بها غيره، لأنّ العبوس ليس من صفات النبيّ مع الأعداء المنابذين فضلًا عن المؤمنين المسترشدين. ثمّ الوصف بأنّه يتصدّى للأغنياء ويتلهّى عن الفقراء لا يُشبه أخلاقه الكريمة. وقد قال تعالى في
[١] - هو: عمرو بنقيس بنزائدة بنالأصمّ القرشي. قيل: إنّ اسمه الحُصَين، سمّاه النبيّ عبداللّه. قال ابنحيان: كان أهل المدينة يقولون: اسمه عبداللّه، وأهل العراق يقولون: اسمه عمرو. قال ابنخالويه: كان أبوه يكنّى أبا السرج على ما ذكره الشيخ في تفسير التبيان، ج ١٠، ص ٢٦٨. وكان مؤذّنا للنبي صلى الله عليه و آله بعد هجرته من مكّة. واسم امّه عاتكة بنت عبداللّه بنعنكثة. وهو( ابن امّمكتوم) ابن خال خديجة امّ المؤمنين عليها السلام، فإن أمّ خديجة اخت قيس بنزائدة واسمها فاطمة. أسلم في السابقين إلى الإسلام بمكّة وكان من المهاجرين الأوّلين، قيل: قدم المدينة قبل النبيّ، وقيل: بعده بقليل، ومات في أيّام عمر، وقيل: استشهد بالقادسية. راجع: الإصابة لابنحجر، ج ٢، ص ٥٢٣.
[٢] - مجمع البيان، ج ١٠، ص ٤٣٧.