التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٨١ - و ليضربن بخمرهن على جيوبهن
والنظرات الجاهرة، واللفتات الموقظة ...[١] كلّ ذلك لممّا يدلّ بوضوح على ضرورة إعادة النظر في تلك النظريّات التي كذّبها الواقع المشهود.[٢]
إنّ الميل الفطري بين الرجل والمرأة ميل عميق في التكوين الحيوي، لأنّ اللّه قد ناط به امتداد الحياة في هذه الأرض، وتحقيق الخلافة لهذا الإنسان فيها. فهو ميلٌ دائمٌ يسكن فترة ثمّ يعود. وإثارته في كلّ حين تزيد من عرامته، وتدفع به إلى الإفضاء المادّي للحصول على الراحة. فإذا لم يتمّ هذا انهارت الأعصاب المستثارة، وكان هذا بمثابة عملية تعذيب مستمرّة! ... والنظرة تثير! والحركة تثير! والضحكة تثير! والدعابة تثير! والنبرة المعبّرة عن هذا الميل تثير! ... والطريق المأمون هو تقليل هذه المثيرات، بحيث يبقى هذا الميل في حدوده الطبيعية، ثم يلبي تلبية طبيعية. وهذا هو المنهج الذي يختاره الإسلام، مع تهذيب الطبع، وشغل الطاقة البشرية بهموم أُخرى في الحياة، غيرتلبية دافع اللحم والدم، فلا تكون هذه التلبية هي المنفذ الوحيد.
وفي القرآن إشارة إلى نماذج من تقليل فُرَص الاستثارة والغواية والفتنة من الجانبين الرجل والمرأة: قال تعالى: «قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَ يَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذلِكَ أَزْكى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ».[٣]
قال سيّد قطب: وغضّ البصر من جانب الرجال أدب نفسي، ومحاولة للاستعلاء على الرغبة في الاطّلاع على المحاسن والمفاتن في الوجوه والأجسام. كما أنّ فيه إغلاقا للنافذة الاولى من نوافذ الفتنة والغواية، ومحاولة عمليّة للحيلولة دون وصول السهم المسموم!
قال الإمام جعفر بنمحمد الصادق عليه السلام: «النظرة سهم من سهام إبليس مسموم، وكم من نظرةٍ أورثت حسرة طويلة». قال: «من تركها للّه عزّوجلّ لا لغيره أعقبه اللّه أمنا وإيمانا
[١] - راجع كتابه« أمريكا التي رأيت» وفيه التفصيل وعرض الحوادث والشواهد. وراجع أيضا كتاب« الإنسان بين المادّية والإسلام» لمحمّد قطب، فصل« المشكلة- الجنسية» فقد توسّع في هذا المجال.
[٢] - راجع: في ظلال القرآن، تفسير سورة النور، ج ١٨، ص ٩٣، المجلّد السادس.
[٣] - النور ٣٠: ٢٤.