التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٠٢ - ثم قال له كن فيكون
الراغب: «وَ نَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَ نُقَدِّسُ لَكَ» أي نطهّر الأشياء ارتساما لك.[١] أي بدلًا من بني آدم- حيث يفسدون في الأرض أي يعبثون بوجوه الأشياء ليغيّروها إلى جهة الفساد- نقوم نحن بتطهير الأشياء وتصقيلها إلى حيث الصفاء والجلاء التامّ. الأمر الذي يتحقّق منه الامتثال التامّ لما أراده تعالى من الطهارة والنزاهة في خليقته جمعاء.
ثُمَّ قال له كن فيكون
قال تعالى: «إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ».[٢]
قالوا: وكان ينبغي أن يقول: ثمّ قال له كن فكان.
قال بعضهم- تجاسرا على كتاب اللّه-: آثر الرويّ على المعنى، فآثر الإخلال بالمعنى ليستقيم له الرويّ. وزاد بشاعةً في القول: قد ساقه إليه ما ألفه لسانُه- يعني محمدا صلى الله عليه و آله- حيث كرّره في ستّة مواضع من كتابه بصيغة المضارع، ممّا كان متناسبا فيها غير ماهنا.[٣]
لكن المسكين ذهب عنه أنّ هذه الجملة تمثّل كلمة التكوين وليست تكليفا بالقول، ومن ثَمَّ كان المسيح عليه السلام كلمة اللّه ألقاها إلى مريم.[٤]
قال الشيخ محمّد عبده: يجوز أن تكون كلمة التكوين مجموع «كُنْ فَيَكُونُ».
والمعنى: ثُمَّ قال له كلمة التكوين التي هي عبارة عن توجّه الإرادة إلى الشيء ووجوده بها حالًا. قال: ويظهر هذا في مثل قوله تعالى: «وَ هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَ يَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ».[٥] ولو كان القول للتكليف لم يظهر هذا، لأنّ قول التكليف من صفة الكلام، وقول التكوين من صفة المشيئة.[٦]
فلفظة «كُنْ» تمثّل إرادته تعالى المتعلّقة بتكوين شيء. و «فَيَكُونُ» تمثّل تكوين الشيء حالًا فور إرادته تعالى. الأمر الذي يتمثّل في لفظة المضارع الدالّة على التحقّق في
[١] - المفردات، ص ٣٩٦.
[٢] - آل عمران ٥٩: ٣.
[٣] - هاشم العربي في ملحق ترجمة كتاب الإسلام، ص ٤١٧- ٤١٨.
[٤] - إشارة إلى الآية ١٧١ من سورة النساء.
[٥] - الأنعام ٧٣: ٦.
[٦] - تفسير المنار، ج ٣، ص ٣١٩.