التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٠٣ - تحرير الرقيق تدريجيا
وتحسّ أنّ هذا يحطّ من شأنها ويغضّ من كبريائها. ولكن الرسول كان يهدف إلى معنى أسمى من كلّ ذلك، وهو رفع الرقيق من الوهدة التي دفعته إليها البشريّة الظالمة، إلى حيث مستوى أعظم سادة العرب من قريش.
*** كلّ ذلك هي خطوات واسعة لتحرير الرقيق روحيّا، بردّه إلى الإنسانيّة، ومعاملته على أنّه بشر كريم، لا يفترق عن السادة من حيث الأصل، وإنّما هي ظروف عارضة حدّت من الحريّة الخارجيّة للرقيق في التعامل المباشر مع المجتمع، وفيما عدا هذه النقطة كانت للرقيق كلّ حقوق الآدميّين.
ولكن الإسلام لم يكن ليكتفي بهذا المقدار، لأنّ قاعدته الأساسيّة العظمى هي المساواة الكاملة بين البشر، وهي التحرير الكامل لكلّ بشرٍ! وكلّ الذي تقدّم كان تمهيدا للبلوغ إلى هذه الغاية، والتي كان النبيّ صلى الله عليه و آله يترقّبها، إمّا في حال حياته أو فيما بعد، ترقّبا غير بعيد.
قال صلى الله عليه و آله: «مازال جبرائيل يُوصيني بالمماليك حتّى ظننت أنّه سيجعل لهم وقتا إذا بلغوا ذلك الوقت أُعتقوا».[١]
وبالفعل جعل وسيلتين كبيرتين: هما العتق والكتابة إلى التحرّر التامّ. هذا فضلًا عن رفض مطلق لأسباب الاسترقاق- والتي كانت متفشّية وعن طرق معادية- والنهب والأسر والإغارة الغاشمة. كان الإسلام يرفضها رفضا باتّا. وبذلك انسدّ- شرعيّا- باب الاسترقاق نهائيا منذ ذلك الحين.
ويكفيك نموذجا عن شناعة نظام الاسترقاق في العصر الجاهلي، حادث استرقاق زيد بن حارثة الذي تبنّاه الرسول الأعظم صلى الله عليه و آله:
كانت امّه سُعْدى بنت ثعلبة من بني معن من طىء، أرادت أن تزور قومها فاصطحبت ابنها زيدا وهو لم يبلغ الثمانية من عمره، فما أن وردت القوم إلّا وأغارت عليهم خيل بني
[١] - أورده الصدوق في الأمالي، المجلس السادس والستون، ص ٣٨٤؛ وفي كتابه« من لا يحضره الفقيه»، ج ٤، ص ٧.