التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٩٢ - تعدد زوجات النبي
بها حتّى تزوّج منها وحتّى أخذ نفسه بالعناية لها وتنشئة أولادها. أفيزعم المبشّرون والمستشرقون بعد ذلك أنّ امّسَلَمة كانت ذات جمال وهو الذي دعا محمّدا إلى التزوّج منها؟! إن يكن ذلك فقد كانت غيرها من بنات المهاجرين والأنصار مَن تفوقها جمالًا وشبابا وثروةً ونضرة، ومَن لايبهظه عبء عيالها. لكنّه إنّما تزوّج منها لهذا الاعتبار السامي الذي دعاه ليتزوّج زينب بنت خزيمة[١] نظير الذي دعاه للتزوّج من حفصة بنت عمر حسبما عرفت.
ماذا يستنبط التمحيص التاريخي النزيه من ذلك؟ يستنبط أنّ محمّدا صلى الله عليه و آله نصح بالزوجة الواحدة في الحياة العادية، وقد دعا إلى ذلك بمثله الذي ضربه في حياته الزوجية مع خديجة، وبه نزل القرآن الكريم «فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَ ثُلاثَ وَ رُباعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أن لا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً».[٢] «وَ لَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَ لَوْ حَرَصْتُمْ».[٣] ولقد نزلت هذه الآيات في اخريات السنة الثامنة للهجرة بعد أن كان قد بنى بأزواجه جميعا، ونزلت لتحدّد عدد الزوجات بأربع وقد كان إلى حين نزولها لا حدّ له، ممّا يسقط قول القائلين: إنّ محمّدا أباح لنفسه ما حرّم على الناس!
على أنّه رأى في ظروف حياة الجماعة الاستثنائية إمكان الحاجة للتعدّد إلى أربع على شرط العدل، وهو قد دعا إلى ذلك بمثله الذي ضرب أيّام غزوات المسلمين واستشهاد مَن استشهد منهم.
ولعمرك هل تستطيع أن تقطع بأنّ الاقتصار على الزوجة الواحدة حين تحصد الحروب أو الأوبئة أو الثورات الوف الرجال وملايينها، خير من هذا التعدّد الذي ابيح على طريق الاستثناء؟[٤]
[١] - حياة محمّد، ص ٢٨٩.
[٢] - النساء ٣: ٤.
[٣] - النساء ١٢٩: ٤.
[٤] - وقد حصدت الحرب الصدّامية الاستعمارية ضدّ الجمهورية الإسلامية أكثر من مئتي ألف شهيد وهم من خيرة شبّان المسلمين على وجه الأرض.