التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٨٤ - نظرة في قولة السامري
فرعون اقتحم البحر وراءها ...
و عند ذلك كان السامريّ قد عرف جبرائيل، ورأى أنّ فرسه كلّما وضع حافره على تراب حصلت فيه رجفة وحركة وحياة. فأُلقي في روعه: أنّ من أثر حافر فرس جبرائيل أن لا يقذف في شيء إلّا حصلت له الحياة، ولذلك قبض قبضة من أثر حافر فرسه وضمّها عنده.
ولمّا أبطأ موسى في الميقات دعا بني إسرائيل أن يأتوا بحليّهم ليصنع لهم آلهة، فصاغها عِجلًا وألقى من تلك القبضة فيه، فأصبح ذا حياة يخور كما يخور البقر، وقال: هذا إلهُكم وإله موسى، وأضلّهم عن الطريق.
هكذا روى الطبري بأسانيده والسيوطي وغيرهما من أرباب النقل في التفسير[١] وزادوا في الطين بلّة أنّهم قالوا: إنّ موسى سأل ربّه فقال: ياربّ، من أخار العجل؟ فقال اللّه:
أنا، قال موسى: فمن أحياه؟ قال اللّه: أنا وأردتُ فتنتهم، فقال موسى: ياربّ، فأنت إذن أضللتهم، إن هي إلّا فتنتك.[٢] وهذا عندما قال اللّه تعالى لموسى: «وَ أَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ».[٣]
*** قال أبومسلم الأصفهاني: ليس في القرآن تصريح بهذا الّذي ذكره المفسّرون، فهاهنا وجهٌ آخر، وهو: أن يكون المراد بالرسول هو موسى عليه السلام، وبأثره سنّته ورسمه الّذي أمر به.
فقد يقال: فلان يقْفوا إثر فلان ويقبض أثره إذا كان يمتثل رسمه. والتقدير: أنّ موسى عليه السلام لمّا أقبل على السامريّ باللوم والسؤال عن الّذي دعاه إلى إضلال القوم قال السامريّ «بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ» أي عرفت أنّ الّذي أنتم عليه ليس بحقّ، وقد كُنت قبضت قبضةً من أثرك أيّها الرسول، أي شيئا من سنّتك ودينك، فقذفته أي طرحته ... وإنّما أورد بلفظ الإخبار عن غائب، كما يقول الرجل لرئيسه وهو مواجه له: مايقول الأمير في كذا، وبماذا
[١] - راجع: جامع البيان، ج ١، ص ٢٢٣؛ والدرّ المنثور، ج ٥، ص ٥٩٢؛ وتفسير الصافي للكاشاني، ج ١، ص ٩٢؛ وتفسير القمي، ج ٢، ص ٦٢؛ وتفسير ابنكثير، ج ٣، ص ١٦٤؛ وتفسير البيضاوي، ج ٤، ص ٢٩.
[٢] - راجع: الدرّالمنثور، ج ٥، ص ٥٩٢؛ وتفسير الصافي، ج ٢، ص ٧٥.
[٣] - طه ٨٥: ٢٠.