التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٦٢ - «فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما»
«فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عاماً»[١]
وهل يعيش إنسان في مثل هذا العمر الطويل؟ الأمر الذي لم يكد يكون معروفا وحتّى فيالقرون الماضية، هؤلاء الفراعنهفي مصر نجد أجسامهم كأجسامأهل هذهالأيام وأعمارهم لم تختلف عن أعمارنا وقد مرّ لهم أربعون قرنا أو أكثر، فكيف يكون ذلك؟
يقول الاستاذ عبدالوهاب النجّار: لامانع من أن يعمّر آدم ومَن قرب منه أعمارا طويلة، لأنّ النوع الإنساني كان في بدء نشأته لم يحمل هموما ولم تعتوره الأمراض المختلفة ولم تنهك قوّته الأطعمةُ التي لايقدر على هضمها، فكان من المعقول أن يعيش طويلًا. وأمّا نحن وأمثالنا ممّن كانوا قبل أربعين قرنا فقد جئنا بعد أن أنهكت النوع الإنساني الأمراضُ وطحنته الأدواء. فالواحد منّا عصارة لآلاف الأمراض التي انتابت آباءه وأُمّهاته، فلم تعد قوانا تتحمّل العمر الطويل.
وعند العلماء بالطبّ والأحوال الاجتماعية أنّ الإنسان قواه محدودة والحياة العريضة تستنفدها بسرعة بخلاف الحياة الضيّقة، فإنّها تكون طويلة لقلّة مايستنفد من قوى الأجسام بتلك الحياة. فنحن الآن لانعيش عيشة البساطة التي كان يعيشها آدم ومن قرب منه، بل نتفنّن في أنواع الطعام ولذائذ المعيشة بما ينهك قوانا، فلا غرابة أن تكون أعمارنا قصيرة، وقد اجتمعت عليها الأمراض المتوارثة والتبسيط في العيش. ويقول بعض الأطبّاء الألمان: إنّ إنسان هذا الزمان يمكن أن يعيش ثلاثمائة سنة إذا اتّبع نظاما خاصّا.[٢]
وهكذا ذكر الشيخ محمّد عبده في إمكان إطالة الأعمار في عهدٍ كانت الحياة غير موسّعة الأطراف والمعيشة على بساطتها الاولى غير معقّدة الجوانب ولا كانت مزدحم الأمراض والأدواء والشدائد والآلام حيث كانت طبيعة العمران ومعيشة الإنسان الفطرية أسلم للأبدان.[٣]
[١] - العنكبوت ١٤: ٢٩.
[٢] - قصص الأنبياء للنجّار، ص ٤٨.
[٣] - تفسير المنار، ج ١٢، ص ١٠٤.