التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٠١ - متى وقع التقدير؟ وهل لايتنافى التقدير مع الاختيار؟
مقتضيات السنن الطبيعية في مجاري الأُمور، والتي هي بمعرض البداء والتبديل، أمّا حتميّتها فهذا شيءٌ إنّما يعرفونه في كلّ ليلة قدرٍ من كلّ سنةٍ وفي محدودة عامها فحسب.
قال الإمام الصادق عليه السلام: «إنّ للّه علمين، علم مكنون مخزون لا يعلمه إلّا هو، من ذلك يكون البداء. وعلم علّمه ملائكته ورسله وأنبياءه، فنحن نعلمه».[١] وقد عنى بهذا العلم الذي تعلمه الملائكة والأنبياء والأئمّة هو العلم وفق مجاري الأُمور الطبيعية، والتي يمكن التخلّف فيها. ومن ثَمَّ قال الإمام امير المؤمنين عليه السلام: واللّه لولا آية في كتاب اللّه لحدّثتكم بما يكون إلى يوم القيامة، وهي قوله تعالى: «يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ».[٢]
*** وأمّا المسألة الثانية: هل لايتنافى التقدير مع الاختيار؟ فقد استوفينا الكلام عنها عند البحث عن مسألة الاستطاعة والاختيار، وتبيّن أنّ التقدير السابق لايعدو سوى العلم بما سيقع وتقديره حسبما يقع، من غير أن يكون العلم السابق ذا أثرٍ في تحقّق المعلوم. فإنّ للظواهر الكونيّة عللًا وأسبابا تكوينية هي التي تؤثّر في الفعل والانفعال التكوينيّين. كما أنّ للأفعال الاختيارية الصادرة من الفاعل المختار (الحيوان والإنسان) سببا مباشرا هي إرادته بالذات وليس مقهورا فيها.
فإذا كان اللّه يعلم- أزلًا- ماذا سيقع وسيتحقّق عبر الأبد ثُمَّ قدّر مجاريها ودبّر من شؤونها بما يتوائم ونظام الكون فهذا لايعني الإجبار، ولا سيّما فيما يعود إلى أعمالٍ يقوم بها الإنسان حسب إرادته واختياره. وليس من المنطق أن يُفرض العلم بأمرٍ علّةً لوجوده.
والتقدير السابق، إنّما هو العلم بالأسباب والمسبّبات- كما هي- ثمَّ تدبير مجاريها حسب نظام الكون. فلا هناك جبر ولا سلب للمسؤولية فيما يمسّ أفعال العباد الاختيارية.
[١] - الكافي للكليني، ج ١، ص ١٤٧، رقم ٨.
[٢] - بحار الأنوار، ج ٤، ص ٩٧، رقم ٤ و ٥، والآية ٣٩ من سورة الرعد.