التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٩٧ - تحرير الرقيق تدريجيا
يكونوا يُطعمون إلّا إبقاءً على وجودهم ليعملوا، لا لأنّ من حقّهم- حتّى كالبهائم والأشجار- أن يأخذوا حاجتهم من الغذاء. وكانوا- في أثناء العمل- يساقون بالسوط، لغير شيء إلّا اللذّة الفاجرة التي يحسبها السيّد أو وكيله في تعذيب المخلوقات. ثُمَّ كانوا ينامون في «زنزانات» مظلمة كريهة الرائحة تعيث فيها الحشرات والفئران، فيلقون فيها عشرات عشرات قد يبلغون خمسين في الزنزانة الواحدة- بأصفادهم- فلا يتاح لهم حتّى الفراغ الذي يتاح بين بقرة وبقرة في حظيرة الحيوانات.
ذلك كان الرقيق في العالم الروماني. ولا نحتاج أن نقول شيئا عن الوضع القانوني للرقيق عندئذٍ، وعن حق السيّد المطلق في قتله وتعذيبه واستغلاله دون أن يكون له حقّ الشكوى، ودون أن تكون هناك جهة تنظر في هذه الشكوى أو تعترف بها، فذلك لغو بعد كلّ الذي سردناه.
ولم تكن معاملة الرقيق في فارس والهند وغيرها، تختلف كثيرا عمّا ذكرنا من حيث إهدار إنسانيّة الرقيق إهدارا كاملًا، وتحميله بأثقل الواجبات دون إعطائه حقّا مقابلها، وإن كانت تختلف فيما بينها (الرومان والفرس والهند) قليلًا أو كثيرا في مدى قسوتها وبشاعتها.
وإذا كان هذا شأن الرقيق في بلاد متحضّرة، فكيف ياترى شأنه في أوساط متأخّرة، في مثل الجزيرة المتوغّلة في جهالة العماء والغيّ والفساد. كان يعيش أحدهم على حساب دمار الآخرين وكان ذلك مفخرا لهم. يقول أحدهم:
|
أبحنا حيّهم قتلًا وأسرا |
عدى الشمطاء والطفل الصغير! |
|
وكفى لشناعة حالتهم الاجتماعيّة، وأد البنات[١] وقتل الأولاد مخافة الإملاق،[٢] وأشنع من الجميع: التعيّش على حساب بغاء الفتيات.[٣]
ففي مثل هذا المجتمع الذي يعيش الأسياد على حساب إكراه الفتيات (الأرقّاء)
[١] - التكوير ٨: ٨١.
[٢] - الأنعام ١٥١: ٦؛ الإسراء ٣١: ١٧.
[٣] - النور ٣٣: ٢٤.