التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٦ - المقدمة
أعلى، إمّا لعدم إمكانه، نظرا لعدم التوائم بين عالمين أحدهما أعلى لطيف والآخر أسفل كثيف! وقد أجبنا على ذلك[١] بإمكان الاتّصال بالجانب الروحاني (حقيقة الإنسان الذاتيّة) من الإنسان إذا كان قد بلغ الكمال واستعدّ روحيّا للاتصال بالملأ الأعلى.
وإمّا لزعم أنّها ملتقطات التقطها نبيّ الإسلام من أفواه الرجال (أهل الكتاب) كان يلتقي برجالٍ من أهل الديانات المعروفة في جزيرة العرب في رحلاته وأسفاره إلى مختلف البلاد، بل وفي مكّة والحجاز ممّن آوى إليها من المعتنقين للمسيحية وأبناء اليهود. «قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَ أَصِيلًا».[٢]
أضف إليه ما كان يستلهم من صميم وعيه المطعَّم بإيحاءات البيئة التي كان يعيشها، كان يستوحيها من داخل ضميره عندما يختلي بنفسه في غار حراء. فكان يستصفي أحسن ماتلقّاه ليبديه وحيا من اللّه وقرآنا نازلًا من السماء.
هكذا فرضوا فيما زعموا من غير برهانٍ أتاهم. وسنفصّل الكلام في ذلك.
٢- ومنها زعم التأثّر بالبيئة وثقافات جاهلية كانت ساطية حينذاك. حسبوا أنّ في القرآن الشيء الكثير من رسوم وعادات بائدة كانت قد تعارفها العرب و ربّما البشرية يومذاك وقد خضع لها القرآن في كثير من تعاليمه وبرامجه، والتي منها مايبدو غليظا أو شديدا أو متجافيا للحكمة ويتعافاه العقل الرشيد فيما تقدّمت ركب البشرية فيما بعد، وأخذوا من عقوبات الإسلام دليلًا على ذلك فيما وهموا!
٣- ومنها ما حسبوه متهافتا من إيهام التناقض في القرآن، ولو كان من عند اللّه لم يوجد فيه هذا الاختلاف! هكذا حسبوا حسابهم لاعن مداقّة!
٤- ومنها احتمال وجود الخطأ في القرآن إمّا تأريخيّا أو أدبيّا أو متنافيا مع بداهة العلم، فيما توهّموه عبر الخيال!
٥- ومنها احتمال التحريف في نصّه الكريم والذي يذهب بحجّيته وإمكان الاستناد إليه، فيما حسبه أهل الظاهر المقلّدة ممّن كانت تهمّهم الرواية وتُعوزهم الدراية!
[١] - في الجزء الأوّل من التمهيد.
[٢] - الفرقان ٥: ٢٥.