التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٤٧ - وجعلناها رجوما للشياطين
إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى وَ يُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ. دُحُوراً وَ لَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ. إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ».[١]
وقال سبحانه: «وَ أَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَ شُهُباً وَ أَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً».[٢]
وقال عزّ مَن قائل: «وَ لَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَ زَيَّنَّاها لِلنَّاظِرِينَ. وَ حَفِظْناها مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ. إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ».[٣]
غير خفيّ أنّ الشُهُبَ والنَيازِكَ إنّما تحدث في الغلاف الغازي (الهواء) المحيط بالأرض وقايةً لها، وقُدّرسمكه بأكثر من ثلاثمائة كيلومتر. وذلك على أثر سقوط أحجار هي أشلاء متناثرة في الفضاء المتبقّية من كواكب اندثرت تعوم عبر الفضاء، فإذا مااقتربت من الأرض انجذبت إليها بسرعة هائلة ما بين ٥٠ و ٦٠ كيلومترا في الثانية، تخترق الهواء المحيط بالأرض، ولاحتكاكها الشديد بالهواء من جهة ولتأثير الغازات الهوائية من جهةٍ اخرى تحترق وتلتهب شعلة نار لتتحوّل إلى ذرّات عالقة في الهواء مكوَّنا منها الغبار الكوني. وهي في حال انقضاضها- وهي تشتعل نارا- تُرى بصورة نجمة وهّاجة ذات ذنب مستطيل تُدعى الشُهُب والنَيازِك.
فليست الشُهُب سوى أحجار ملتهبة في الهواء المحيط بالأرض، قريبة منها! فما وجه فرضها نجوما في السماء يُرجم بها الشياطين الصاعدة إلى الملأ الأعلى؟!
لكن يجب أن نعلم قبل كلّ شيء أنّ التعابير القرآنية- وهي آخذة في الحديث عن كائنات ماوراء المادّة- ليس ينبغي الأخذ بظاهرها اللفظي، حيث الأفهام تقصر عن إدراك مايفوق مستواها المادّي المحدود، والألفاظ أيضا تضيق عن الإدلاء بتلك المفاهيم الرقيقة البعيدة عن متناول الحسّ.
وبتعبير اصطلاحي: إنّ الأفهام وكذا الألفاظ محدودة في إطار المادّة الكثيفة، فلا
[١] - الصافّات ٦: ٣٧- ١٠.
[٢] - الجنّ ٨: ٧٢ و ٩.
[٣] - الحِجر ١٦: ١٥- ١٨.