التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٤٩ - وجعلناها رجوما للشياطين
أو محاولتهم لتلبيس الحقّ الظاهر، وثَمَّ دحرهم ليعودوا خائبين.[١] «بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ».[٢]
والآيات من سورة الجنّ لعلّها إشارة إلى هذا المعنى، حيث هي ناظرة إلى بعثة نبيّ الإسلام، وقد أيس الشيطان من أن يُعبد وعلا نفيره.
قال الإمام أمير المؤمنين عليه السلام: ولقد سمعت رنَّة الشيطان حين نزل الوحي عليه صلى الله عليه و آله فقلت: يا رسول اللّه، ما هذه الرَنَّة؟ فقال: هذا الشيطان قد أيس من عبادته.[٣]
يقول تعالى في سورة الجنّ: «قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقالُوا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً- إلى قوله:- وَ أَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَ شُهُباً. وَ أَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً».[٤] فهي حكاية عن حال حاضرة وجدتها الجنُّ حينما بُعِث نبيّ الإسلام.
وبهذا يشير قوله تعالى: «إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ».[٥] وقوله: «هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَ دِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً».[٦]
نعم، كانت تلك بغية إبليس أن يتلاعب بوحي السماء ولكن في خيبة آيسة: «وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَ لا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى (ظهور شريعته) أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ وَ اللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ».[٧] أي حاول إبليس الحؤول دون بلوغ أُمنيّة الأنبياء، فكان يندحر ويغلبُ الحقُّ الباطلَ وتفشل دسائسه في نهاية المطاف.
أمّا عند ظهور الإسلام فقد خاب هو و جنوده منذ بدء الأمر وخسر هنالك المبطلون.
قال الإمام الصادق عليه السلام: «فلمّا وُلد رسول اللّه صلى الله عليه و آله حُجب (إبليس) عن السبع
[١] - الميزان في تفسير القرآن، ج ١٧، ص ١٣٠ نقلًا مع تصرّفٍ يسير.
[٢] - الأنبياء ١٨: ٢١.
[٣] - نهج البلاغة، الخطبة القاصعة، ص ٣٠١.
[٤] - الجنّ ١: ٧٢- ٩.
[٥] - الحِجر ٩: ١٥.
[٦] - الفتح ٢٨: ٤٨.
[٧] - الحجّ ٥٢: ٢٢.