التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٢٠ - موهم الاختلاف والتناقض زيادة على ماسبق
بالخلود. وفي أهل الجنّة يتّصل بما دلّ عليه الكلام، فكأنّه قال: لهم فيها نعيم إلّا ماشاء ربّك من أنواع النعيم. وإنّما دلّ عليه قوله: «عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ». عن الزجّاج.
ورابعها: أن يكون «إلّا» بمعنى الواو، أي: وما شاء ربّك من الزيادة. عن الفرّاء.
واستشهد على ذلك بقول الشاعر:
|
وأرى لها دارا بأَغْدِرَةِ السي- |
- دان لَم يَدْرُسْ لها رسمُ |
|
|
إلّا رمادا هامدا رفعت |
عنهُ الرِّياحَ خوالدٌ سحم[١] |
|
قال: والمراد ب- «إلّا» هاهنا «الواو»، وإلّا كان الكلام متناقضا. وهذا الوجه قد ضعّفه المحقّقون من النحاة.
وخامسها: أنّ المراد ب- «الذين شقوا» من ادخل في النار من أهل التوحيد، الّذين ضمّوا إلى إيمانهم وطاعاتهم ارتكاب المعاصي. فقال سبحانه: إنّهم معاقبون في النار إلّا ماشاء ربُّك من إخراجهم إلى الجنّة وإثابتهم على الطاعات. ويجوز أن يريد ب- «الَّذِينَ شَقُوا» جميع الداخلين إلى جهنّهم، ثمّ استثنى بقوله: «إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ» أهل الطاعات. وقد يكون «ما» بمعنى «مَن» أي: إلّا من شاء ربُّك.
وأمّا في أهل الجنّة فهو استثناء بحسب ما تقدّموه في النّار. وتكون «ما» بمعناها ويكون الاستثناء من الزمان، بخلاف الأوّل الذي كان استثناء من الأعيان. ويكون «الَّذِينَ شَقُوا»- بناءا على هذا القول- هم الذين سُعدوا بأعيانهم، وإنّما أجرى عليهم كلّ لفظ في الحال التي تليق به. فإذا ادخلوا في النار وعوقبوا فيها فهم أهل الشقاء، وإذا نقلوا منها إلى الجنّة فهم أهل السعادة. وهذا قول ابنعباس وجابر بنعبداللّه وأبيسعيد الخدري وقتادة والسدّي والضحّاك وجماعة من المفسّرين.
وروى أبوروق عن الضحّاك عن ابن عباس قال: «الَّذِينَ شَقُوا» ليس فيهم كافر، وإنّما هم قوم من أهل التوحيد يدخلون النار بذنوبهم ثمّ يتفضّل اللّه عليهم فيخرجهم من النار إلى الجنّة، فيكونون أشقياء في حال، سعداء في حالٍ اخرى.
[١] - أغدرة السيدان: موضع. والخوالد: الأثافي، وهي الأحجار الثلاثة التي يوضع عليها القدر. والسُحمُ: السُود.