التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٥٨ - الحرية الفنية في قصص القرآن
ومن الناحية الأدبية أيضا نرى القرآن عند مايكرّر الحديث عن حادث أو عن ظاهرة طبيعيّة، فإنّه لايكرّرها إلّا وفي هذا التكرار نكتة وظرافة لاحظها حسب المناسبة.
الأمر الذي يزيد في بلاغة البيان القرآني وربّما إلى حدّ الإعجاز. إذ يعني ذلك: أنّ بإمكانه سرد قصّة واحدة بأنحاء وأشكال، كلّ مرّة يأتي بالعجيب من الكلام، بحيث لايملّ السامع من الإصغاء، حتّى ولوسمعها في عدّة مواطن، فإنّه لا يمجّها لمرّة اخرى واخرى، لما في كلّ مرّة من طراوة وإبداء شيء جديد، وفي كلّ جديد لذّة! وقد عدّ ذلك وجها من وجوه إعجاز القرآن في بديع بيانه.
ولتاج القرّاء أبيالقاسم محمود بنحمزة الكرماني تصنيف لطيف بهذا الشأن، ذكر فيه الفوارق البديعيّة في مكرّرات الآيات، وأبدع في ذلك. اقتطفنا منه قبسات عند الكلام عن الإعجاز البياني للقرآن.[١]
الحرّية الفنّية في قصص القرآن
هناك ظواهر كثيرة من ظاهرات الحرّية الفنّية (الأدبيّة) توجد في القرآن عند سرد أحداث التاريخ ممّا جعلته ممتازا عن مثل التوراة التي هي أشبه بكتاب تاريخ منه بكتاب هداية. ونستطيع أن نعرض عليك منها الظواهر التالية:[٢]
١- إهمال القرآن- حينما يقصّ- كثيرا من مقوّمات التاريخ من زمان ومكان، وأحيانا أبطال المعركة. فليس في القرآن الكريم قصّة واحدة عنى فيها الزمان. أمّا المكان فقد أهمل إهمالًا يكاد يكون تامّا لولا تلك الأمكنة القليلة المبعثرة هنا وهناك والتي لم يلفت القرآن الذهن إليها. كما عمد إلى إهمال الأشخاص في بعض أقاصيصه إهمالًا تامّا.
ألّلهمّ إلّا إذا كان لمعرفة الأشخاص دخلًا في العبرة بها.
وهذا من اصول البلاغة في الكلام، أن لايذكر من الحادث إلّا ماكانت له صلة بغرض الكلام.
[١] - التمهيد، ج ٥،« نكت وظرف فيما تكرّر من الآيات».
[٢] - وللُاستاذ محمد أحمد خلف اللّه هنا تحقيق لطيف. راجع: الفنّ القصصي في القرآن الكريم، ص ٨٠.